تطرق تحقيق لصحيفة “الغارديان” البريطانية، نشرته في 30 سبتمبر، إلى برنامج “رافن” (Raven) الإماراتي للتجسس الإلكتروني، الذي أنشئ في البداية تحت غطاء مكافحة الإرهاب قبل أن يتحول إلى أداة واسعة للمراقبة الرقمية استهدفت معارضين وناشطين وصحفيين وشخصيات سياسية داخل الإمارات وخارجها .
وفقاً للتحقيق، أُنشئ البرنامج في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بمساعدة خبراء سابقين في وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA)، واعتمد على قدرات قرصنة متطورة طورها هؤلاء الخبراء . وبحسب “الغارديان”، أتاحت المنظومة لمشغليها جمع معلومات واختراق أجهزة أشخاص لم يكونوا بالضرورة مرتبطين بتهديدات أمنية مباشرة، ما جعل التجسس الإلكتروني وسيلة لملاحقة الأصوات المنتقدة .
ومع تولي الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن الوطني الإماراتي، مسؤوليات أمنية متقدمة، اتسعت هذه القدرات لتشمل أدوات تجسس أكثر تطوراً. وبعد تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل، حصلت أبوظبي على إمكانية استخدام برنامج “بيغاسوس”، القادر على اختراق أجهزة “أبل” و“أندرويد” من دون علم مستخدميها .
ويورد التحقيق أسماء أشخاص استُهدفوا أو يُعتقد أنهم استُهدفوا بهذه الأدوات، من بينهم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون . كما يبرز ملف الباحث البريطاني ماثيو هيدجز، الذي اعتُقل في الإمارات عام 2018 أثناء إجرائه بحثاً أكاديمياً، وأمضى أشهراً في الحبس الانفرادي وخضع لاستجوابات كانت تستمر حتى 15 ساعة يومياً وتعرض لأدوية قسرية وتهديدات طالت أفراداً من عائلته، قبل أن يحاول الانتحار بعد سبعة أشهر مما وصفه بسوء المعاملة .
وينتقل التحقيق من الأجهزة الأمنية إلى الشركات المرتبطة بهذه المنظومة، وعلى رأسها “دارك ماتر” (DarkMatter) التي ارتبطت ببرنامج “رافن”. وبعد تفكيك الشركة، انتقلت شخصيات وقدرات من هذه البيئة إلى “G42”، التي أصبحت إحدى أبرز الشركات التكنولوجية في الإمارات. ويربط التحقيق بين البنية السابقة للتجسس الإلكتروني والبنية التكنولوجية التي تعمل اليوم في مجال الذكاء الاصطناعي .
وفي موازاة المسار الأمني، يسلط التحقيق الضوء على تركز هائل للثروة والنفوذ الاقتصادي في دائرة مرتبطة بطحنون بن زايد. فقد أصبحت مجموعة “رويال غروب” (Royal Group)، وفق “الغارديان”، أداة الاستثمار الرئيسية لمصالح عائلته، وتقدر أصولها بنحو 300 مليار دولار، فيما تقدر الصحيفة حجم الإمبراطورية الاقتصادية التي يشرف عليها طحنون بنحو 1.5 تريليون دولار .
ويشير التحقيق إلى أن الحدود بين ثروة طحنون الشخصية وثروة الأسرة الحاكمة والأصول التي يفترض أنها تعود للدولة أصبحت غير واضحة، وهي نقطة تثير تساؤلات حول تركز الموارد الاقتصادية في دوائر السلطة .
وينتقل التحقيق إلى اتهامات أكثر خطورة تتعلق بالتدخلات الإماراتية خارج الحدود. فبحسب “الغارديان”، دعمت أبوظبي مجموعات مسلحة وشبه عسكرية في اليمن وليبيا وإثيوبيا، مع ما يرتبط بذلك من مستويات مرتفعة من العنف ضد المدنيين. وفي السودان، تواجه الإمارات اتهامات بالتواطؤ في أعمال وصفت بأنها ترقى إلى الإبادة الجماعية .
وتشير “الغارديان” إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي استُخدمت في حملة تضليل تهدف إلى إضعاف مصداقية الأمم المتحدة في سياق الاتهامات المتعلقة بالسودان .
ويخلص التحقيق إلى رسم صورة لنظام إماراتي متشابك، يجمع بين التجسس الإلكتروني والقوة التكنولوجية وتركيز الثروة الاقتصادية والتدخلات الخارجية، في استمرارية يصعب فيها الفصل بين الأمن والاقتصاد والسلطة .



