في خطوة استراتيجية تهدف إلى تحصين الاقتصاد الوطني وتعزيز الأمن القانوني، أعلن رئيس نقابة المحامين بالجزائر، الأستاذ محمد بغدادي، السبت، عن ميلاد “المركز الجزائري لتسوية النزاعات”. هذا الإعلان جاء على هامش ندوة دولية رفيعة المستوى تحت عنوان “التحكيم الدولي، السيادة والوسائل البديلة لتسوية المنازعات”، بحضور وزاري وازن يتقدمه وزير العدل حافظ الأختام، لطفي بوجمعة.
و أكد محمد بغدادي أن هذا المركز الجزائري لتسوية النزاعات ليس مجرد هيئة إجرائية، بل هو صرح مؤسساتي يتمتع بـاستقلالية تامة، ويهدف إلى تجميع نخبة من الخبراء والمحكمين الجزائريين والدوليين وفق تخصصات دقيقة. وتتمثل مهمة المركز في توفير إطار قانوني يتميز بثلاثية: “السرعة، السرية، والكفاءة الاقتصادية”، وهي العناصر التي يبحث عنها المستثمرون لضمان استقرار مشاريعهم.
من جانبه، شدد وزير العدل، لطفي بوجمعة، على أن هذا المركز يندرج ضمن رؤية الدولة لتحويل الجزائر إلى قطب جهوي مرجعي في مجال التحكيم التجاري الدولي. وبالنظر إلى موقع الجزائر الاستراتيجي كبوابة للقارة الإفريقية، فإن امتلاك مركز تحكيم وطني معتمد وموثوق يقلل من ارتهان الشركات الوطنية (خاصة في قطاعات الطاقة والأشغال العمومية) للمراكز التحكيمية الأجنبية في باريس أو جنيف، مما يعزز السيادة القضائية والاقتصادية للبلاد.
و تأتي هذه الخطوة الاستراتيجية في سياق تشهد فيه الجزائر طفرة ملموسة في تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، مدفوعةً بالإصلاحات التشريعية العميقة التي كرسها قانون الاستثمار لسنة 2022؛ حيث يهدف إنشاء هذا المركز إلى بناء جيل جديد من المحكمين والخبراء الجزائريين المؤهلين لإدارة الملفات المعقدة في التجارة الدولية، مما يقلص التبعية للخبرات الأجنبية ويحمي المصالح العليا للبلاد.
وعلاوة على ذلك، سيلعب المركز دوراً حيوياً في دعم مشاريع الجزائر الطموحة في منطقة الساحل، إذ سيشكل مع توسع الاستثمارات الوطنية في دول الجوار مثل النيجر ومالي وبوركينا فاسو، أداةً قانونيةً سيادية لتأمين هذه الاستثمارات وتسوية أي نزاعات تجارية أو استثمارية محتملة بروح توافقية تضمن استدامة الشراكات الإقليمية.
و يشير مراقبون إلى أن “المركز الجزائري لتسوية النزاعات” يمثل ذراعاً قانونية لسياسة الجزائر الخارجية. ففي منطقة الساحل التي تعيد الجزائر رسم توازناتها، تصبح القدرة على فض النزاعات التجارية والتقنية بعيداً عن التدخلات الخارجية أداة قوية لترسيخ الثقة مع الشركاء الأفارقة وتحجيم أدوار القوى الإقليمية المنافسة التي تعتمد على مراكز تحكيم دولية منحازة أحياناً.
بإطلاق هذا المركز، تكون الجزائر قد انتقلت من مرحلة “المدافع” عن مصالحها في المحاكم الدولية إلى مرحلة “الفاعل” الذي يضع قواعد اللعبة القانونية في منطقته الاستراتيجية، مما يكرس شعار الندوة: التحكيم في خدمة السيادة الوطنية.













