يبدو أن وسائل التواصل الاجتماعي قد تمرّدت على وظيفتها كفضاء تفاعلي، فطغت على كل المجالات، وأصبحت عاملا محوريا مؤثرا في المجتمع، يطلب ودّها الجميع، وتكيّف لأجلها الأفكار والغايات، فبعد أن سار قطاع الإعلام خاصة المرئي في درب مواقع التواصل، إرضاء وبحثا عن جمهور وأضحى يعتمد على “ريلز” و”الترند” بدل صناعة الرأي، فانحرف عن أبجديات العمل الصحفي، جاء الدور على الدراما والكوميديا.
المسلسلات الجزائرية التي صارت تنتظر هلال شهر رمضان من أجل الظهور للجمهور، بينما تصوم طوال أشهر السنة المتبقية، اجتاحها طوفان “البريكولاج” منذ سنوات فأغرقها في مستنقع الرداءة، بسبب الابتذال وضعف النصوص المكتوبة وخاصة الاستعانة بالدخلاء على الفن، إضافة إلى غياب الهوية الجزائرية في بعض الأعمال عبر تقليد الدراما التركية، مما انعكس على غياب الإبداع الصادق، لأن الكتابة إحساس صادق بالنص، ورؤية واعية للعالم، لا مجرد استنساخ للمواضيع الرائجة.
الدراما و فخ الفرجة الرقمية !
لقد أفرز الواقع الحالي معضلة أكبر، باتت خطرا يهدّد القيمة الفنية والجمالية للأعمال المقدمة للمشاهد، ومكمن الخطر، فيما أحدثه بعض المخرجين والمنتجين من “بدعة” الاستعانة بـ”مؤثري” وسائط التواصل الاجتماعي، ومنحهم أدوار البطولة في مسلسلات رمضان، رغم افتقارهم إلى أدنى شروط التمثيل و أبجديات التكوين المسرحي و السينمائي، فتحول الممثل من كائن تعبيري إلى أداة تسويق، في تهميش صريح لمواهب فذة تزخر بها الساحة الفنية، وضرب صارخ لأفكار رواد المدارس الإخراجية التي اهتمت أيّما اهتمام بإعداد الممثل وتكوينه على غرار: “قسطنطين ستانسلافسكي” و”برتولد بريخت” و”فيسفولد مايرغولد” و “جيرزي غروتوسكي” وغيرهم..
أصبح الجميع يبحث عن “الضجة” ولفت الانتباه السريع، أو ما يعرف بسينما buzz التي تتعامل مع المؤثرين كنجوم جاهزة، بقاعدة جماهيرية واسعة ستعود على ذلك العمل الفني بملايين اللايكات، دون الاكتراث لفكرة العمل وقيمة النص وأداء الممثلين..
وبالتالي لم تعد الجودة مطلبا أو معيارا، بل ما يُحدثه العمل الفني من وقع وضجيج رقمي، يدرّ الملايين!
وكما يقول الروائي تشيكي الأصل “ميلان كونديرا” : (حين تصبح السرعة قيمة، تفقد الأشياء معناها) وهو ما يفسّر تحوّل الدراما من فعل إبداعي إلى منتج استهلاكي سريع، تُقاس قيمته بعدد المشاهدات لا بعمق التجربة.
هذا التحول جعل خريجي الجامعات والمعاهد ممّن تخصّصوا في مجال التمثيل يحالون على الراحة الاجبارية، بينما لجأ الكثير منهم إلى أبي الفنون المسرح، الذي لا يعترف إلا بالموهبة والقدرات الإبداعية والاحتكاك المباشر مع الجمهور.
على صعيد آخر يلاحظ حاليا هيمنة نمط متكرر في الإنتاج الدرامي، والذي بات يعطي صورة زائفة عن المجتمع الجزائري، وهو التركيز على أفكار المافيا والعصابات وتجارة المخدرات، رغم أن البعض سيجد الحجج لتبرير هذا الميول، بأن واقع اليوم أصبح مليئا بقصص المخدرات والمهلوسات التي استشرت في أوساط الشباب، لكنّ الواقع يؤكد أن هذه المظاهر دخيلة، وعَرَض مرضي غير دائم أصاب جسد المجتمع الجزائري منذ سنوات قليلة، يستوجب التعامل معه بمنتهى الذكاء والحرص، نظرا لتأثيره وإمكانية تحوّله إلى نوع من البرمجة العصبية السلبية التي تضرّ بفئة المراهقين والشباب، دون الحديث عن إعطاء صورة سوداوية للمجتمع الجزائري، أما الخطأ الأكبر، فهو إعادة نقل صورة الواقع المفترض كما هو، دون إعطاء حلول أو تصورات لذلك الواقع كما يقتضيه المنطق وروح الفن الحقيقي، في غياب أي رؤية فنية تقترح أفقا أو مساءلة.
كما أن الكثير من الأعمال الرمضانية بالكاد تستطيع تخطي عتبة العشرين حلقة، نظرا لفقر السيناريو، فيعمد المخرج إلى الإطالة وتمطيط الحلقات، علاوة على إغراق المشاهد في الإثارة والمواضيع الدخيلة في صورة صارخة للعبثية العشوائية.
إعادة الفن إلى أصله.. المواهب والكتابة الصادقة
إن أصعب ما تفرزه سينما الـ Buzz ليس تراجع المستوى الفني فقط، بل إعادة توصيف الممثل ذاته وجعل دوره يقتصر على الحضور لا المعنى، مع تغييب ذاته الدرامية القادرة على إنتاج الدلالة، فينظر إليه كسلعة استهلاكية سريعة الزوال، تُقاس قيمتها بعدد المتابعين لا بقدرتها على تمثيل الإنسان، الأمر الذي حذّر منه الشاعر و الكاتب الفرنسي “غي ارنست ديبور ” حين قال (في مجتمع الفرجة، لا يُعاش الواقع مباشرة، بل يُعاش بوصفه تمثيلًا) أي أن المجتمع حين يختزل ذاته في الفرجة، يفقد علاقته بالواقع، ويستبدل التجربة الحيّة بتمثيل زائف لها.
ومن منطلق أن “الفن ليس ترفيهًا، بل صدمة توقظ الإنسان من بلادته” كما يقول أستاذ مسرح القسوة الفرنسي “أنطونان أرتو”، فبات لزاما علينا، إسناد الأمر إلى أهله، والعودة إلى الكتابة الحقيقية والصادقة المستمدة من روح المجتمع الجزائري دون تقليد، والأهم فتح المجال أمام المواهب والقدرات التمثيلية الكبيرة التي تتخرج كل سنة من معاهد التمثيل، والتي أجبرت على البقاء في الهامش، مع ضرورة الاستفادة من الطفرة التكنولوجية التي بات يشهدها قطاع السينما والتي سترفع مستوى الاحترافية و الجودة خاصة على مستوى الصورة و التركيب والإضاءة ..
ودون ذلك سنجد أنفسها نجتر الرداءة كل شهر رمضان مع الأفكار نفسها والوجوه ذاتها في تهميش واضح للطاقات الإبداعية، مما يترتب عنه حكم بالموت على أساتذة ومعاهد التمثيل..













