تواصل قنوات إعلامية فرنسية السقوط في فخ ازدواجية المعايير وتبني خطابات تشرعن استهداف الكوادر الصحفية في المنطقة العربية، حيث لم يعد الأمر يقتصر على الصمت تجاه الجرائم المرتكبة، بل تعداه إلى محاولة إيجاد مسوغات سياسية وعسكرية لاغتيال الصحفيين أثناء أداء مهامهم.
وتجلى هذا الانزلاق الأخلاقي مؤخراً في التناول الإعلامي لخبر استشهاد الصحفية اللبنانية آمال خليل، حيث تم التركيز على الخط التحريري لمؤسستها الإعلامية كذريعة للاستهداف، في خطوة اعتبرها مراقبون طعنة في جوهر حرية الصحافة وخرقاً صريحاً للمواثيق الدولية التي تفرض حماية خاصة لرجال الإعلام في الحروب.
و أثار محتوى إعلامي بثته قناة “BFM TV” الفرنسية لمالكها الملياردير الفرنسي رودولف سعادة موجة عارمة من الاستنكار في الأوساط الصحفية والحقوقية، عقب تصريحات أدلى بها مستشار عسكري على المباشر، اعتبرت بمثابة “تبرير ضمني” لاغتيال الصحفية اللبنانية آمال خليل في غارة إسرائيلية استهدفت جنوب لبنان.
ففي الوقت الذي كان من المفترض أن يُناقش فيه الخبر من زاوية انتهاك القوانين الدولية التي تحمي الصحفيين في مناطق النزاع، سارع المستشار العسكري للقناة، فور سماع خبر استشهاد مراسلة جريدة “الأخبار” في مدينة الطيري، إلى التركيز على التوجه السياسي للمؤسسة الإعلامية التي تعمل بها.
واعتبر المستشار في مداخلته أن الاستهداف كان “دقيقاً وواضحاً”، متبنياً الرواية التي تدعي أن الصحفيين العاملين في وسائل إعلام معينة يُصنفون كـ”جواسيس” أو “أهداف مشروعة”. هذا الطرح أثار تساؤلات جوهرية حول أخلاقيات المهنة في بعض المنابر الغربية، وكيف تحول “الخط التحريري” من وجهة نظر مهنية إلى مسوغ للقتل والافلات من العقاب.
تأتي هذه الواقعة في سياق تقارير دولية تشير إلى استهداف غير مسبوق لرجال الإعلام؛ حيث تفيد البيانات أن إسرائيل مسؤولة عن مقتل أكثر من 270 صحفياً وعاملاً في القطاع منذ أكتوبر 2023. ووفقاً لمنظمات دولية، فإن عام 2025 وحده شهد تسجيل إسرائيل كمسؤولة عن مقتل ثلثي الصحفيين الذين قضوا في العالم أجمع، وهي الحصيلة الأثقل منذ عقود.
وانتقد ناشطون وحقوقيون ما وصفوه بـ”أنسنة القاتل وشيطنة الضحية”، مؤكدين أن تبرير قتل الصحفيين بناءً على انتماءات مؤسساتهم يفتح الباب أمام استباحة دماء كل من ينقل رواية تخالف السردية السائدة. كما أشار مراقبون إلى أن هذه السقطات الإعلامية تساهم في تغييب المحاسبة الدولية وتمنح الضوء الأخضر لمواصلة استهداف “سترات الصحافة” في الميدان.
ويبقى السؤال المطروح أمام الهيئات الضابطة للإعلام في فرنسا: هل أصبحت منابر “الرأي والرأي الآخر” منصات لتمرير خطابات تشرعن تصفية أصحاب الكلمة والصورة؟

