شهدت مدينة جنيف السويسرية، يوم الأربعاء 22 أفريل 2026، احتفالية علمية مهيبة تُوجت خلالها العالمة الجزائرية البروفيسور ياسمين بلقايد بجائزة “كولين-جانتي للطب التحويلي” (Collen-Jeantet Prize for Translational Medicine)، وهي إحدى أرفع الجوائز العلمية في أوروبا. ويأتي هذا التكريم اعترافاً بأبحاثها الثورية التي غيرت المفاهيم السائدة حول الجهاز المناعي وعلاقته بالميكروبات، مما يفتح آفاقاً جديدة لعلاجات طبية مبتكرة.
لم يكن فوز البروفيسور بلقايد وليد الصدفة، بل جاء ثمرة عقود من البحث المعمق في “مناعة الحواجز” (Barrier Immunity). وقد ركزت أعمالها التي استحققت عليها الجائزة على التفاعل المعقد بين ثلاثة أركان أساسية: الميكروبات المتعايشة في أجسادنا، التغذية، والعدوى.
وأثبتت بلقايد أن الميكروبات ليست مجرد كائنات تعيش بداخلنا، بل هي “المدرب” الأول للجهاز المناعي، حيث تعلمه التمييز بين الصديق والعدو، وهو ما يعد مفتاحاً لفهم أمراض مستعصية مثل الحساسية والالتهابات المعوية المزمنة. كما كشفت أبحاثها عن دور مذهل لـ “الفيروسات القديمة” المختبئة في حمضنا النووي، وكيف يستخدمها الجسم لإصلاح الأنسجة التالفة والتئام الجروح.
تجسد ياسمين بلقايد، المولودة في الجزائر عام 1968، قصة نجاح ملهمة للكفاءات الوطنية. بدأت مسارها الأكاديمي من جامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا (USTHB) بالعاصمة، حيث نالت شهادة الماجستير في الكيمياء الحيوية، قبل أن تشق طريقها نحو العالمية. وبعد مسيرة بحثية حافلة في المعاهد الوطنية للصحة (NIH) بالولايات المتحدة، عادت إلى أوروبا لتصنع التاريخ في جانفي 2024، كأول امرأة تتولى منصب المدير العام لـ معهد باستور بباريس منذ تأسيسه قبل أكثر من قرن، لتقود اليوم واحدة من أهم المؤسسات البحثية في العالم.
تعتبر جائزة “لويس جانتي” السويسرية، التي تأسست عام 1986، بمثابة “نوبل مصغرة” في الأوساط العلمية الأوروبية، نظراً لمعاييرها الصارمة في اختيار الفائزين. تخصص المؤسسة سنوياً جوائز لدعم التميز البحثي، حيث تبلغ قيمة الجائزة التي نالتها بلقايد 500 ألف فرنك سويسري؛ يُخصص الجزء الأكبر منها (450 ألفاً) لتمويل استمرار أبحاثها العلمية، بينما يخصص الباقي كمنحة شخصية. وتكمن أهمية هذه الجائزة في أنها تمنح للباحثين الذين حققت أعمالهم قفزات نوعية في الطب الحيوي ولديها تطبيقات ملموسة في تحسين صحة البشرية.
بهذا التتويج الجديد، لا تضيف ياسمين بلقايد لقباً إضافياً لخزانتها المليئة بالجوائز العالمية فحسب، بل تؤكد مجدداً أن العقل الجزائري قادر على قيادة قاطرة العلم العالمي، مرسخة مكانتها كواحدة من أكثر العلماء تأثيراً في الطب الحديث.
المصدر: و مؤسسة لويس جانتي

