رحيل عبد الوهاب الدكالي.. من مونبارناس إلى الغياب الأخير

غيب الموت مساء الجمعة في مدينة الدار البيضاء واحد من آخر العمالقة الذين صنعوا ذاكرة الأغنية المغربية والعربية، الموسيقار والمطرب عبد الوهاب الدكالي، عن عمر ناهز 85 سنة، بعد مسيرة طويلة تحولت فيها أغانيه إلى جزء من وجدان أجيال كاملة.

رحل عبد الوهاب الدكالي، وكأن قطارًا طويلًا أغلق أبوابه في محطة لا اسم لها، إلا من شجن يشبه صدى الأغاني القديمة. غاب الصوت الذي علّم الذاكرة العربية كيف تصغي للحب وهو يتكسر، وكيف تصغي للحنين وهو يمشي على أطراف الضوء.

في “مونبارناس”، لم يكن القطار مجرد وسيلة عبور، بل قدرًا كاملاً للإنسان وهو يتنقل بين ما يُقال وما لا يُقال، بين الوعود المؤجلة والفرح الذي لا يكتمل. واليوم، يبدو أن الرحلة قد توقفت عند آخر رصيف، حيث لا إعلان للوصول، فقط صمت طويل يشبه الغياب.

ة قد ارتبط اسم عبد الوهاب الدكالي بالعديد من المحافل الفنية في الجزائر، لعل أبرزها مشاركته في مهرجان تيمقاد الدولي بولاية باتنة في دورة جويلية 2004، حيث قدم سهرة لا تُنسى أمام آلاف المعجبين في المسرح الروماني. كما عاد الدكالي ليعتلي ركح مهرجان جميلة العربي بسطيف في أوت 2008، وهي الزيارة التي أكد فيها على عمق الروابط الثقافية بين البلدين. وفي ماي 2012، كان الدكالي ضيف شرف مميزاً في الجزائر العاصمة ضمن فعاليات الأسبوع الثقافي، حيث أحيا حفلاً في قاعة الأطلس استرجع فيه روائعه مثل “مرسول الحب” و”ما أنا إلا بشر”.

لم تقتصر زيارات الدكالي على الغناء فقط، بل شملت محطات تكريمية رفيعة؛ ففي أكتوبر 2014، حلّ الموسيقار المغربي ضيفاً عزيزاً على الجزائر بدعوة من وزارة الثقافة للمشاركة في المهرجان الثقافي الدولي للموسيقى السمفونية، حيث تم تكريمه تقديراً لمسيرته التي تجاوزت نصف قرن.

كما سجل التاريخ زيارته في فيفري 2016 للمشاركة في تأبينية الراحلة وردة الجزائرية، حيث استحضر ذكرياته معها مؤكداً أن الجزائر كانت دائماً “بيته الثاني”. وتظل زيارته في جوان 2019 لإحياء سهرة رمضانية بدار الأوبرا “بوعلام بسايح” بالعاصمة، من آخر المحطات التي شهدت تفاعلاً جماهيرياً استثنائياً أثبت أن فنه لا يزال عابراً للأجيال.

صاحب “مرسول الحب” لم يكن فنانًا عابرًا في الأغنية ، بل كان ذاكرة تمشي على وتر، وصوتًا يكتب الزمن على هيئة نغم. من “ما أنا إلا بشر” إلى “مونبارناس”، ظلّ الدكالي يلتقط هشاشة الإنسان، ويعيد صياغتها في شكل موسيقى تمشي بين الفرح والحزن دون أن تنحاز لأيٍّ منهما.

تابع
في رحاب صناعة المحتوى الإعلامي يقود فاتح لشهب، مدير تحرير موقع “الصحفي”، مسيرة العمل برؤية معاصرة؛ فهو يمزج بين الدقة العلمية في البحث وعمق التحليل، ليطرح رؤى متوازنة تتجاوز التبسيط، ويغني النقاش بمضامين تحفّز القارئ على التأمّل والتدقيق في أكثر قضايا عصرنا تعقيدًا.
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً