من “كتالوغات السكن” إلى الهوية المفقودة…تاريخ مهنة المهندس المعماري في الجزائر

شهدت قاعة المحاضرات التابعة لمؤسسة المحافظة السامية للأمازيغية (HCA Foundation)، إلقاء محاضرة تاريخية وتوثيقية مفصلة تناولت مسار “مهنة المهندس المعماري في الجزائر: التاريخ، الأزمة الجمالية والتطور المؤسساتي”، حيث قدّم المحاضر قراءة نقدية وتأريخية دقيقة للمراحل التشريعية والنضالية التي صاغت واقع الممارسة المعمارية في البلاد منذ أربعينيات القرن الماضي وحتى عام 2013.

واستهل المهند فيصل ورات  عرضه بالعودة إلى الجذور التشريعية لمهنة المهندس المعماري في الجزائر، مؤكداً أن أول قانون ينظم ممارسة الهندسة المعمارية وشروطها في المنطقة يعود إلى الحقبة الاستعمارية، وتحديداً القانون الفرنسي الصادر في 31 ديسمبر 1940، والذي جرى تمديد العمل به وتطبيقه في الجزائر بموجب مرسوم مؤرخ في 31 نوفمبر 1941. وأوضح أن البداية الفعلية لهيكلة المهنة ميدانياً تبلورت في عام 1946 مع تنصيب المجلس الإقليمي لنقابة المهندسين المعماريين الفرنسيين بالجزائر العاصمة، والذي ضم في صفوفه كافة المهندسين الممارسين آنذاك.

وفي مرحلة ما بعد الاستقلال عام 1962، أشار المحاضر إلى أن الجزائر ورثت هذا الإطار التنظيمي ولم تلغه، استناداً إلى الأمر التشريعي الذي قضى بتمديد سريان القوانين والنصوص الاستعمارية السابقة ما لم تتعارض مع مقومات السيادة الوطنية. وبناءً على ذلك، صدر في 15 يناير 1963 مرسوم في الجريدة الرسمية يقضي بتأسيس المجلس المؤقت لنقابة المهندسين المعماريين، وضمت القائمة الرسمية المعتمدة 11 مهندساً فقط ممارساً على المستوى الوطني (من بينهم بولي، شالون، ليليار، مالول، رومان، تشافييه سلفادور مهندس مدينة عنابة، ومارسيل غاردينيه). وأكد المحاضر أن هذه القائمة لم تتضمن سوى اسمسين اثنين لمهندسين مسلمين وهما: عبد الرحمن بوشامة، وبن إسماعيل.

وتوقف المحاضر مطولاً عند هاتين الشخصيتين، مبرزاً أن عبد الرحمن بوشامة الذي عاش ونشط مهنياً حتى جويلية 1984، كان قد تخرج من مدرسة الفنون الجميلة وعُرف باهتماماته العلمية والفلسفية، حيث ألّف كتاباً فكرياً بعنوان “الحركة والمفكر والمادة” أثناء فترة احتجازه الإداري قبيل الاستقلال. أما المهندس الثاني “بن إسماعيل”، فقد وصفه المتحدث بـ”اللغز التاريخي”، لكونه المهندس الجزائري الوحيد آنذاك الذي تلقى تفوقاً أكاديمياً خالصاً وحصل على شهادة رسمية من مدرسة مهندسين معماريين، إلا أن اسمه اختفى تماماً من السجلات اللاحقة ولم تُنسب إليه أو تسجل أي بصمة أو أثر معماري باسمه، رغم وجود قاعدة قانونية سارية منذ ثلاثينيات القرن الماضي تفرض إسناد تصميم المنشآت الموجهة للمجتمعات الإسلامية لمهندسين مسلمين، وهي المشاريع التي تقاسمها لاحقاً بوشامة رفقة عبد الرحمن تشيفال ومحي الدين ومجموعة أخرى غادرت الساحة لاحقاً.

وعن مرحلة التحول الكبرى في التسيير، أفاد المتحدث بأن السلطات العمومية، نظراً لعدم تنظيم انتخابات لتجديد السلك المهني في الآجال المحددة، أصدرت في 15 يناير 1966 الأمر رقم 66-22 الذي قضى بـحل نقابة المهندسين المعماريين بصفة رسمية، ونقل كافة صلاحياتها وامتيازاتها وممتلكاتها إلى الوزارة المكلفة بالهندسة المعمارية وإعادة الإعمار. واستحدثت الدولة آنذاك مجلساً مهنياً استشارياً يتكون من إداريين حكوميين ومهندسين اثنين من القطاع الخاص لمتابعة شؤون المهنة ومنح الاعتمادات للمهندسين الجزائريين والأجانب، والذين كان نظام ممارستهم يخضع لتحقيقات من وزارة الخارجية للتأكد من مؤهلاتهم قبل قبولهم، وهو ما استمر طيلة فترة التسيير الإداري التي دامت من عام 1966 إلى غاية عام 1994.

وأوضح التحقيق التاريخي أنه لمواجهة حجم برامج إعادة الإعمار الطموحة وضخامتها، وفي ظل غياب التعيينات المستقلة، أنشأت الدولة مكاتب الدراسات العمومية التي قامت بوظيفة المهندس المعماري دون حيازة اللقب رسمياً (وهي الهياكل التي ما يزال جزء منها قائماً حتى اليوم تحت غطاء مادة القانون المدني رقم 551 التي لم تُلغ أو تُعدل). ورافق هذه المرحلة بزوغ فكرة “كتالوجات التصاميم الجاهزة” والمخططات النموذجية المكررة، وهي الفكرة التي تبناها وزير التخطيط الأسبق عبد السلام بلعيد وسيد أحمد غزالي، حيث صُممت نماذج موحدة للاستخدام السكني وتعميمها عبر ربوع الوطن دون مراعاة لخصوصية المناطق وأصالتها الجمالية، على غرار نموذج “حي الموظفين” الذي صممه مارسيل لافيا واستُنسخ في مدن عدة، وكذا مخطط قسنطينة الاستعماري الذي امتدت آثاره الهيكلية إلى ما بعد الاستقلال عبر تقديم الكم السكني على حساب الهوية والتميز المعماري.

أما على الصعيد النقابي والمطلبي، فقد استعرض المحاضر دور “اتحاد المهندسين المعماريين الجزائريين” كمنظمة جماهيرية نشأت تحت لواء حزب جبهة التحرير الوطني، مبرزاً أن جيل الشباب من المهندسين (أمثال غلو، بيدماني، مهدي، وزوربا)، الذين فجروا أول حركة احتجاجية طلابية بجامعة الجزائر ومدرسة الفنون الجميلة عام 1967 للمطالبة بإصلاح التعليم المعماري (حتى قبل أحداث ماي 1968 في باريس)، هم من تولوا قيادة الاتحاد في مؤتمره التأسيسي في مارس 1981، وشكلوا مجلساً وطنياً ضم عبد الرحمن بوشامة لتتحول المنظمة إلى ساحة صراع ومقاومة فكرية ضد البيروقراطية الإدارية. واستذكر المتحدث واجهة الصدام الشهيرة عام 1983 بقصر المعارض عندما واجه بوشامة الوزير غزالي بخطاب سياسي لاذع انتقد فيه سياسة تسليع المعمار وعصرنة الـ”كتالوجات”.

وربط المحاضر هذا الحراك الطلابي بإصلاح التعليم العالي عام 1970، والذي أسفر عام 1975 عن تأسيس المدرسة المتعددة التقنيات للهندسة المعمارية والعمران (EPAU) بناءً على النموذج الأكاديمي للمعاهد السويسرية ومناهج الوحدات البيداغوجية، بهدف إدراج العلوم الإنسانية والمساعدة كعلم الاجتماع وتقنيات البناء الحديثة ضمن التكوين المعماري.

وفي ختام المحاضرة، تم استعراض المسار المعاصر الذي تلا صدور قانون تنظيم المهنة لعام 1994؛ حيث ظل القانون مجمداً حتى أواخر عام 1995، مما دفع المهندسين لعقد جمعية عامة وتشكيل لجان تحضيرية نجحت أواخر عام 1996 في تنظيم انتخابات محلية وتنصيب المجلس الوطني لنقابة المهندسين المعماريين والمجالس الإقليمية. ورغم الصراعات والانقسامات الحادة التي ظهرت منذ عام 1997 وشطرت المجلس الوطني إلى كتلتين متنافرتين عطلتا الأداء النقابي حتى عام 2012، إلا أن تدخل الوزارة الوصية لتشكيل لجنة مؤقتة من 15 عضواً سمح بإعادة تنظيم الصفوف وعقد جمعية عامة انتخابية في جوان 2013، تُوجت بإقرار تحول هيكلي حاسم قضى بالانتقال من “المجالس الإقليمية” المشلولة إلى “المجالس الولائية المستقلة”، مما حقق الاستقرار التنظيمي ووسع قاعدة التمثيل والمشاركة الفعلية للمهندسين المعماريين في الجزائر.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً