تخوض الجزائر في السنوات الأخيرة سباقاً محمومًا مع الزمن لتحديث وتوسيع بنيتها التحتية الأساسية، ممثلة في شبكتي الطرق والسكك الحديدية؛ إذ لم تعد المسألة تقتصر على تسهيل حركة تنقل المواطنين الفردية، بل تحولت إلى استراتيجية جيواقتصادية وسيادية متكاملة تستهدف فك العزلة عن المناطق الداخلية، وربط الولايات المستحدثة بجسور التنمية، والتمهيد لتحويل البلاد إلى مركز لوجستي دولي يربط البحر الأبيض المتوسط بالعمق الأفريقي الواعد.
وتشير البيانات والأرقام الرسمية الصادرة عن قطاعات الأشغال العمومية والنقل إلى حجم الاستثمارات الضخمة التي رُصدت لإعادة هندسة خارطة النقل الوطنية، بما يتوافق مع الرؤية الاقتصادية الرامية إلى تنويع مصادر الدخل القومي والتحرر من التبعية لعائدات المحروقات.
و تتربع الجزائر اليوم على صدارة الدول الأفريقية من حيث كثافة وتشابك شبكة الطرق البرية، حيث يبلغ إجمالي الطول الإجمالي للشبكة الوطنية أكثر من 141,000 كيلومتر مغطاة ومجهزة بالكامل وفق أحدث المعايير التشغيلية. وتحتل الطرق السيّارة (Autoroutes) مكانة محورية في هذا الهيكل بطول يتجاوز 2,400 كيلومتر، ويأتي في طليعتها “الطريق السيّار شرق – غرب” الذي يمتد على مسافة تتخطى 1,216 كيلومتر بعد استكمال شطره الأخير الرابط ببلدية الرملة الطارفة على الحدود التونسية الشرقية، بالإضافة إلى شبكة المنافذ الجانبية الجاري ربطها بالموانئ التجارية الكبرى لتسريع حركة شحن البضائع.
وتتوزع بقية الشبكة البرية لتشمل نحو 30,000 كيلومتر من الطرق الوطنية التي تمثل الشرايين الرابطة بين الحواضر والولايات الكبرى، في حين تشغل الطرق الولائية والبلدية الحصة الأكبر بما يفوق 108,000 كيلومتر، وهو النطاق الموجه أساساً لتنمية المناطق الريفية وفك العزلة عن المستثمرات الفلاحية والمناطق المعزولة. ويتصدر “الطريق العابر للصحراء” المشاريع الاستراتيجية البرية، حيث تعمل الدولة على تحويل الجزء الجزائري منه الممتد لأكثر من 2,300 كيلومتر إلى طريق سيّار مزدوج باتجاه الحدود مع النيجر ومالي، تمهيداً لإعلان منطقة تجارة حرة أفريقية مشتركة.
بالموازاة مع شبكة الطرق، يشهد قطاع النقل بالسكك الحديدية، الذي تشرف على تجسيده ميدانياً “الوكالة الوطنية لدراسة ومتابعة إنجاز الاستثمارات في السكك الحديدية” (ANESRIF)، قفزة استثمارية غير مسبوقة تعد الأضخم في تاريخ البلاد منذ الاستقلال. وتبلغ طول شبكة الخطوط المستغلة قيد الخدمة حالياً نحو 4,734 كيلومتر، تشمل خطوطاً حديثة مكهربة وأخرى مزدوجة لتسيير قطارات المسافرين السريعة وشاحنات نقل البضائع.
وتسير المخططات الحكومية الحالية نحو توسيع هذه الشبكة لتصل إلى 6,500 كيلومتر على المدى القصير، مع تطلع استراتيجي لتخطي عتبة 12,400 كيلومتر فور استكمال الخطوط الكبرى العابرة للهضاب والصحراء. وتبرز في هذا الصدد ثلاثة مشاريع عملاقة تصيغ مستقبل التعدين والصناعة الثقيلة في البلاد: أولها خط السكة الحديدية “تندوف – غارا جبيلات” الممتد على مسافة تقارب 950 كيلومتر، والذي يمثل مشروع القرن لنقل خام الحديد من أقصى الجنوب الغربي إلى مركبات الحديد والصلب الكبرى في الشمال؛ وثانيها مشروع خط السكة الحديدية العابر للصحراء (شمال – جنوب) الهادف لربط العاصمة بالولايات الجنوبية الكبرى وصولاً إلى تمنراست ليكون معبراً لوجستياً دولياً؛ وثالثها خط الهضاب العليا العرضي الموازي لخطوط الشمال والذي يربط شرق البلاد بغربها لتخفيف الضغط على الشريط الساحلي وإعادة توزيع التمركز السكاني والصناعي.

