في خطوة وصفت بالأكثر جرأة في مسار تفكيك الإرث البيروقراطي المالي، فتح إعلان وزير المالية، عبد الكريم بوالزرد، بشأن تسوية ديون جبائية قديمة يعود أغلبها لأكثر من عقدين من الزمن، الباب أمام قراءة مغايرة لطبيعة الأزمة الهيكلية التي يعيشها الاقتصاد الجزائري. فبينما ركزت قراءات على عجز الخزينة ومعدلات النمو المرتقبة بـ 6.1% لسنة 2026، كشف هذا الإجراء عن وجود “جثث في الخزانة” طالما كبّلت السوق، وحالت دون تدفق أزيد من ثلث الكتلة النقدية (34%) إلى القنوات البنكية الرسمية.
ماذا يعني عملياً إسقاط أو تسوية ديون تعود لعام 2006 وما قبله؟ وكيف تحولت هذه التراكمات الجافة إلى “شبح قانوني” يطارد المتعاملين الاقتصاديين ويمنع جيل اليوم من الاندماج في الاقتصاد المُنظم؟
على مدار العشرين سنة الماضية، ظلت المديرية العامة للضرائب تدرج في ميزانياتها وتوقعاتها السنوية ديوناً جبائية “غير مستردة” تعود لسنوات الطفرة المالية وما قبلها. هذه الأرقام، التي تقدر بمليارات الدينار المتراكمة كغرامات تأخير ومستحقات غير محصلة، تحولت مع الوقت إلى مجرد “أرقام وهمية” على الورق.
هذه الديون تعود لشركات ومؤسسات، دخل بعضها في حالة إفلاس غير مبرم قانونياً منذ عام 2006، أو توفي أصحابها، أو تلاشت أصولها المادية، لكن نظام المحاسبة البيروقراطي القديم ظل يلاحق الورثة أو الشركاء القدامى، مما خلق وضعاً معلقاً؛ فلا الدولة استردت أموالها، ولا “المذنبون الجبائيون” استطاعوا العودة للنشاط التجاري اللائق.
و قد تسبب هذا العبء القانوني في نمو “سيكولوجية الخوف” لدى آلاف التجار والمتعاملين في الجزائر، مفضلين البقاء في سراديب الاقتصاد الموازي (الذي يلتهم اليوم 34% من السيولة) خوفاً من أن تطأ أقدامهم عتبات البنوك، فتتحرك ضدهم ميكانيزمات التحصيل الجبري لديون منسية منذ عقدين.
“الممحاة القانونية” لفتح صفحة بيضاء مع 2026
; تأتي السياسة التحفيزية للامتثال الضريبي الطوعي التي أعلنها الوزير بوالزرد لتلعب دور “الممحاة القانونية”؛ والهدف ليس التسامح مع التهرب الضريبي، بل “تطهير الدفاتر” لبناء علاقة ثقة جديدة تتماشى مع الطفرة الرقمية التي تشهدها مصالح أملاك الدولة والضرائب والميزانية في مراحلها النهائية لعام 2026.
تتضمن هذه المقاربة غير التقليدية أبعاداً اقتصادية ونفسية هامة:
- دفن الماضي البيروقراطي: إلغاء ملفات الديون الميتة يحرر الإدارة الجبائية من آلاف القضايا والملفات الورقية العالقة، مما يتيح للمفتشين التركيز على مراقبة الأنشطة الحالية الفعالة.
- إعادة تدوير “المغضوب عليهم”: يمنح هذا القرار أصحاب المؤسسات القديمة والجيل الجديد المرتبط بهم فرصة لتسوية وضعيتهم والحصول على “شهادة سلبية” للديون، وهو ما يعني عودتهم لفتح سجلات تجارية جديدة، وإنشاء مؤسسات ناشئة، والاندماج في المسار الرسمي.
- نزع سلاح “الخوف من البنوك”: عندما تطمئن قوى السوق الموازية بأن إيداع أموالها لن يتبعه “تحقيق بأثر رجعي” يمتد لـ 20 سنة، ستتحرك الرغبة في الامتثال الطوعي، ما يسهل استقطاب جزء كبير من الكتلة النقدية الهاربة.
إن عفوًا ضريبياً يطال ديوناً عمرها 20 سنة هو بمثابة اعتراف رسمي بأن المقاربات الردعية القديمة لم تعد تجدي نفعاً في عصر الاقتصاد الرقمي. وفي الوقت الذي تسجل فيه الأنشطة خارج المحروقات نمواً بنسبة 5.6%، يبدو أن السلطات المالية أدركت أن دفع الاقتصاد نحو الأمام يتطلب أولاً التخلص من القيود التي تشده إلى الخلف.
هذه “الصفحة البيضاء” هي حجر الزاوية الذي سيمكّن الجزائر في سنة 2026 من الانتقال من مرحلة “إدارة العجز” إلى مرحلة “إدارة الوفرة وتحفيز الامتثال”، ليتحول الجباء من أداة عقابية تُنفّر الاستثمار، إلى آلية مساهمة مرنة تضمن الشفافية والعدالة وضخ الأموال الموازية في شريان البنوك الرسمية.

