كشفت الحكومة البريطانية النقاب عن “مشروع قانون الأمن القومي (تهديدات الدول) لعام 2026″، والذي يهدف إلى منح أجهزة الدولة صلاحيات قانونية استثنائية لمواجهة الجماعات والكيانات التي تعمل بالوكالة لصالح قوى أجنبية. يأتي هذا التشريع استجابة لتحديات أمنية متزايدة، حيث تسعى لندن إلى وضع حد للأنشطة العدائية التي تُنفذ عبر “وسطاء” محليين لتجنب المسؤولية المباشرة للدول الراعية.
و يأتي “قانون الأمن القومي البريطاني” ليعالج ما وصفته الحكومة بـ “ثغرة قانونية” كانت تُستغل ببراعة من قبل أجهزة استخبارات دولية، مثل إيران وروسيا والصين. فقد كانت هذه الدول تعتمد على تكليف أفراد أو عصابات إجرامية منظمة لتنفيذ مهام حساسة مثل المراقبة، التخريب، أو الاعتداء على المعارضين المقيمين في بريطانيا. وبموجب القانون الحالي، كانت ملاحقة هؤلاء الوسطاء قانونياً تواجه تعقيدات، مما دفع الحكومة إلى استلهام نموذج “قانون الإرهاب لعام 2000” وتكييفه ليتناسب مع “تهديدات الدول”.
و يمنح المشروع وزير الداخلية صلاحية “تصنيف” أي منظمة أو جماعة تثبت صلتها بأنشطة عدائية مرتبطة بدولة أجنبية. وبمجرد صدور هذا التصنيف، تصبح الأنشطة المرتبطة بهذه الجماعة مجرمة قانونياً، مما يشمل حظر الترويج لها، أو تقديم الدعم المادي والمعنوي، أو حتى قبول أي منافع منها. ولردع الانخراط في مثل هذه الأنشطة، نص القانون على عقوبات مشددة قد تصل بالسجن إلى 14 عاماً، مما يجعله أحد أكثر القوانين صرامة في هذا الإطار.
و تستند التحركات الحكومية إلى تقارير استخباراتية مقلقة صادرة عن جهاز “إم.آي 5″، الذي سجل ارتفاعاً في التحقيقات الأمنية المرتبطة بتهديدات الدول بنسبة 35% خلال العام الماضي. وقد أشارت التقديرات إلى وجود نحو 20 مؤامرة محتملة ذات طابع دامٍ مرتبطة بأنشطة إيرانية، إلى جانب عمليات تدخل صيني وتجسس روسي. كما جاءت هذه الخطوة في أعقاب موجة من الهجمات التي استهدفت مواقع يهودية في لندن، حيث ربطت الشرطة بين هذه الحوادث وبين جهات تتلقى توجيهات من الخارج.
و أكد رئيس الوزراء كير ستارمر في بيانه أن بريطانيا لا يمكنها التغاضي عن “الأعمال القذرة” التي تمارسها دول أجنبية عبر أذرعها، مشدداً على أن المؤسسات الديمقراطية البريطانية وأمن المواطنين خط أحمر. وعلى الرغم من الضغوط البرلمانية التي يمارسها نواب للمطالبة بحظر كامل للحرس الثوري الإيراني، إلا أن القانون الحالي يركز على إطار “التصنيف الإجرائي” للكيانات والشبكات، مع توقعات بأن يستهدف القانون نحو عشر منظمات في مرحلته الأولى.
وفي الوقت الذي تنفي فيه القوى المتهمة هذه الادعاءات وتصفها بأنها “حملات دعاية سياسية”، يبدو أن الحكومة البريطانية ماضية في إجراءاتها، عازمة على تحويل البلاد إلى “بيئة عمليات بالغة الصعوبة” لأي جهة تحاول المساس بالأمن القومي عبر حروب الظل والوكالة.



