منذ أن أبصر النور في ربوع بني يزقن، بدا مفدي زكرياء وكأنه يحمل قدرًا استثنائيًا بين الكلمة والوطن؛ شاعرًا لم يكتفِ بكتابة القصيدة، بل حوّلها إلى ذاكرة شعب وصوت ثورة وهوية أمة بأكملها.
وُلد شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكرياء، واسمه الحقيقي الشيخ زكرياء بن سليمان بن يحيى، يوم 12 جوان 1908 ببلدة بني يزقن العريقة في وادي ميزاب بولاية غرداية. ونحتفل اليوم، في ذكرى ميلاده الـ 116، بمسيرة هذا العملاق الذي نشأ وسط بيئة محافظة تشبعت بالعلم والدين واللغة.
هناك حفظ القرآن الكريم وتلقى مبادئ علومه الأولى، قبل أن ينتقل إلى العاصمة الجزائرية لمواصلة تعليمه، ثم يشد الرحال سنة 1922 إلى تونس، حيث التحق بالمدرسة الخلدونية وجامع الزيتونة، اللذين شكّلا منعطفًا حاسمًا في تكوينه الفكري والأدبي.
في تونس، لم تتفتح موهبته الشعرية فقط، بل تشكل أيضًا وعيه السياسي والوطني، في ظل أجواء عربية مشبعة بأفكار التحرر ومقاومة الاستعمار. ومع عودته إلى الجزائر، انخرط مبكرًا في صفوف الحركة الوطنية، ليصبح من أبرز مناضلي حزب نجم شمال إفريقيا، ثم أمينًا عامًا لحزب الشعب الجزائري، قبل أن يواصل نشاطه ضمن حركة انتصار الحريات الديمقراطية.
لم يكن مفدي زكرياء شاعرًا يجلس بعيدًا عن المعركة، بل عاش تفاصيلها بكل ما فيها من قمع وملاحقات وسجون. فقد تعرّض للاعتقال عدة مرات من قبل سلطات الاستعمار الفرنسي سنوات 1937 و1940، ثم عقب مجازر 8 ماي 1945، قبل أن يُزجّ به مجددًا سنة 1956 داخل أسوار “سجن سركاجي”، أحد أكثر المعتقلات الاستعمارية رهبة في الجزائر.
ومن داخل زنزانته رقم 69، كتب مفدي زكرياء واحدة من أكثر اللحظات خلودًا في التاريخ الوطني الجزائري، حين خطّ كلمات النشيد الوطني “قسماً”، النص الذي تحوّل لاحقًا إلى رمز سيادي للجزائر المستقلة، بعد أن لحّنه الموسيقار المصري محمد فوزي. هناك، لم تكن القصيدة مجرد كلمات موزونة، بل كانت إعلانًا شعريًا عن ميلاد وطن يقاوم من أجل الحياة.
وبعد خروجه من السجن سنة 1959، توجه نحو المغرب ثم تونس، حيث واصل الدفاع عن القضية الجزائرية في المحافل الدولية بقلمه وصوته، مؤمنًا بأن الثقافة جزء لا ينفصل عن معركة التحرر. وخلال تلك السنوات، رسّخ مكانته كأحد أبرز شعراء المغرب العربي في القرن العشرين، من خلال أعماله التي جمعت بين الحس الثوري والبعد الحضاري واللغة الشعرية القوية.
ويظل ديوان “اللهب المقدس” من أبرز أعماله الشعرية المرتبطة بالثورة الجزائرية، بينما شكّلت “إلياذة الجزائر” مشروعه الأدبي الأكبر، إذ صاغ فيها 1001 بيت شعري يستعرض تاريخ الجزائر وأمجادها عبر العصور، في محاولة لتحويل الذاكرة الوطنية إلى ملحمة شعرية خالدة.
رحل مفدي زكرياء يوم 17 أوت 1977 إثر سكتة قلبية في تونس، لكن صوته لم يغب عن الجزائر. فما يزال حاضرًا كلما صدح النشيد الوطني، وكلما استعادت الذاكرة أسماء الذين جعلوا من الكلمة سلاحًا، ومن الشعر وطنًا لا يسقط بالتقادم.
منذ أن أبصر النور في ربوع بني يزقن، بدا مفدي زكرياء وكأنه يحمل قدرًا استثنائيًا بين الكلمة والوطن؛ شاعرًا لم يكتفِ بكتابة القصيدة، بل حوّلها إلى ذاكرة شعب وصوت ثورة وهوية أمة بأكملها.

