يتجه قطاع التراث في الجزائر نحو تأسيس بنك معلومات لحماية التراث المخطوط، وذلك ضمن استراتيجية طموحة تهدف إلى تحقيق ثلاثة أهداف جوهرية؛ أولها خلق قاعدة بيانات موحدة تجمع المخطوطات المشتتة في وعاء رقمي واحد يسهل الرجوع إليه، وثانيها تعزيز البحث الأكاديمي عبر توفير نسخ رقمية عالية الجودة تتيح للجامعات والباحثين استثمار هذه المادة في التحقيق والدراسات التاريخية، وثالثها توفير الحماية اللازمة لهذا التراث من خلال توثيقه قانونياً وفنياً لضمان عدم تعرضه للسرقة أو التلف.
وفي هذا السياق شكل الملتقى الدولي “المخطوط، طرق الحبر في الجزائر: حضارة وتراث”، الذي احتضنه المركز الدولي للمؤتمرات “عبد اللطيف رحال”، محطة مفصلية لتقييم واقع التراث المخطوط. وفي كلمتها الافتتاحية، أكدت وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، أن المخطوط ليس مجرد وعاء ديني ومعرفي، بل هو “جزء من سياق جيوسياسي وقوة ناعمة أسست للدبلوماسية الثقافية الجزائرية”، مشيرة إلى دور المخطوط في تجسيد الصلات الحضارية بين الجزائر وعمقها الإفريقي.
و كانت بن دودة قد اكدت أن الجزائر أنشأت مؤسسات متخصصة للاضطلاع جرد و حماية التراث المخطوط، واصفة “المكتبة الوطنية” بأنها الحصن الأول الذي أنقذ المخطوطات من محاولات التدمير والسرقة الاستعمارية. كما نوهت بجهود “المركز الوطني للمخطوط بأدرار” الذي يعمل بتنسيق دائم مع أصحاب الخزائن العائلية المنتشرين عبر كامل التراب الوطني، والذين حافظوا على هذا التراث عبر الأجيال بإخلاص كبير.
و يواجه التراث المخطوط الجزائري تحدي التبعثر بين الخزانات الوطنية، الجامعات، والزوايا، بالإضافة إلى المخطوطات المحفوظة في المكتبات الخاصة. ويرى خبراء التراث أن “بنك المعلومات الوطني” لا يمثل مجرد قاعدة بيانات رقمية، بل هو صمام أمان يضمن حصر هذا الرصيد الهائل وفهرسته وفق معايير بيبليوغرافية عالمية، مما يسهل على الباحثين والدارسين الوصول إلى المعلومة دون الحاجة للبحث المضني في الأرشيفات المتفرقة.
لم يكتفِ ملتقى “المخطوط الجزائري” الأخير بالجانب الإداري، بل غاص في أعماق المادية التاريخية للمخطوط، حيث شكلت “طرق الحبر في الجزائر” محوراً جوهرياً. وقد أكد الباحثون أن فهم التركيب الكيميائي للأحبار التقليدية المستخدمة في المخطوطات الجزائرية يعد مفتاحاً أساسياً لعمليات الترميم الرقمي والمادي. إن إدراج هذه الخصائص الفنية ضمن بنك المعلومات المرتقب سيعزز من القيمة العلمية لكل مخطوط، ويساعد في تحديد تاريخه وجغرافيته بدقة متناهية.
و كانت وزارة الثقافة والفنون قد أعلنت عن إطلاق “برنامج دعم استثنائي” موجه لمحققي المخطوطات، يهدف إلى تحفيز المختصين على إخراج درر العلوم المكنونة إلى النور. ويتضمن البرنامج تكفل الوزارة بنشر المخطوط المحقق، الترويج له، وتوزيعه على مكتبات المطالعة العمومية والمعارض الوطنية والدولية، مع ضمان كامل الحقوق للمحققين.
وقد حددت الوزارة شروطاً علمية للترشح، مؤكدة أن المبادرة مفتوحة للجزائريين من ذوي الخبرة أو المسار الأكاديمي، شريطة أن تكون المخطوطات ذات صلة بالجزائر أو ملكية وطنية. ويمكن للراغبين في المشاركة التسجيل عبر الرابط الإلكتروني إلى غاية 30 سبتمبر المقبل.
كلمات مفتاحية:
أكدت وزيرة الثقافة والفنون, السيدة مليكة بن دودة, اليوم الاثنين, أن الجزائر أنشأت لحماية تراثها المخطوط, “المؤسسات المؤهلة للاضطلاع بهذه المهمة النبيلة”, مضيفة أن المكتبة الوطنية الجزائرية كانت هي “الحصن الأول الذي أنقذ تراثنا من المخطوطات التي حاول الاستعمار حرقها وسرقتها وتدميرها”.
وفي كلمة لها خلال افتتاح أشغال الملتقى الدولي حول التراث المخطوط في الجزائر, المنظم بالمركز الدولي للمؤتمرات “عبد اللطيف رحال” بالجزائر العاصمة, تحت الرعاية السامية لرئيس الجمهورية, السيد عبد المجيد تبون, أوضحت السيدة بن دودة أن الجزائر أنشأت لحماية تراثها المخطوط “المؤسسات المؤهلة للاضطلاع بهذه المهمة النبيلة”, مضيفة أن “المكتبة الوطنية الجزائرية كانت هي الحصن الأول الذي أنقذ تراثنا من المخطوطات التي حاول الاستعمار حرقها وسرقتها وتدميرها”.
ولفتت أيضا إلى المركز الوطني للمخطوط بأدرار الذي “أنشئ لحماية المخطوطات وتوثيقها وترميمها بالتعاون مع أصحاب الخزائن الذين ساهموا في الحفاظ على هذا التراث جيلا بعد جيل وما زالوا قائمين عليه بإخلاص كبير”, معبرة عن شكرها وامتنانها “لجهودهم الجبارة وعملهم الدؤوب والمسؤول لحفظ وإنقاذ آلاف المخطوطات المستقرة في خزاناتهم”.
كما أشارت إلى أن أصحاب هذه الخزائن “عائلات موجودة في كامل التراب الوطني وامتد تأثيرها إلى أعماق إفريقيا عن طريق رحلاتها وتنقلاتها القديمة لنشر الإسلام ونقل العلوم والمعارف إلى أبعد نقطة”.
واعتبرت الوزيرة أن “المخطوط ليس فقط محمولا دينيا ومعرفيا ولكنه جزء من سياق جيوسياسي وحوار حضاري بين الجزائر ومحيطها, حيث مثل لقرون طويلة وما يزال رسالتنا الإنسانية لباقي الشعوب والقوة الناعمة التي أسست لدبلوماسيتنا الثقافية”, لافتة في سياق كلامها إلى “الصلات التي قامت مع إفريقيا, حيث كانت الجزائر منطلقا لرحلات كبرى وأرض ضيافة وعبور”.
وأضافت بهذا الخصوص أن هذا الملتقى هو “إحياء لتلك المسارات المقدسة التي شكلت جوهر شخصيتنا الإفريقية”.
أعلنت وزارة الثقافة والفنون، في بيان لها اليوم السبت، عن إطلاق برنامج دعم استثنائي موجه لفائدة محققي المخطوطات قصد نشر المخطوطات المحققة، وذلك ضمن استراتيجيتها الداعمة للتراث الثقافي الجزائري المادي وغير المادي وانسجاما مع التوجيهات السامية لرئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون.
وأوضح البيان أن باب الترشح للاستفادة من برنامج الدعم لنشر المخطوط المحقق موجه “لكل من لهم باع وخبرة في المجال أو ذوي الاهتمام والتجربة أو من حقق سابقا مخطوطا أو أكثر سواء ضمن مسار بحثي أو مهني”.
ويأتي هذا البرنامج -يضيف البيان- سعيا لتيسير المعارف التأسيسية في شتى المجالات التي تتضمنها آلاف المخطوطات وتحفيزا للمحققين للعمل على إخراج درر العلوم والأخبار المكنونة.
ويضمن برنامج الدعم لنشر المخطوط المحقق “حقوق النشر للمحققين وفق المعمول به قانونا ويحصل المحققون الذين ينشرون كتبهم على حقوقهم كاملة”، كما تتكفل الوزارة “بنشر المخطوط المحقق والترويج له وتوزيعه على مكتبات المطالعة العمومية الرئيسية وعرضه في المعارض الدولية والوطنية والاحتفاء بالمحققين في فضاءات الثقافة والفنون عبر التراب الوطني”.
ومن شروط الاستفادة من هذا الدعم “أن يكون المحقق جزائريا وأن يكون المخطوط ملكا للمكتبة الوطنية أو المركز الوطني للمخطوط أو الأرشيف الوطني أو ضمن خزانات خاصة يحوزها جزائريون، ويستثنى المخطوط الذي تعود ملكيته لجهة أجنبية من الدعم إلا في حال كان موضوعه مرتبطا بالجزائر”.
كما ينبغي أن “يستوفي التحقيق الشروط العلمية والمنهجية للتحقيق وأن يحوز المحقق الحق القانوني في التعاقد على نشر التحقيق (في حالة التحقيق ضمن مسار أكاديمي التوصية بالنشر أو الموافقة المسبقة للجهة الأكاديمية)، وتحوز وزارة الثقافة والفنون حق الطبعة الأولى لخمس سنوات، ولا تعارض رغبة المحقق في المشاركة في المسابقات الدولية أو الوطنية بكتابه المنشور ضمن البرنامج”.
ويمكن للراغبين في المشاركة التسجيل عبر الرابط: https://makhtout.e-servicesculture.dz، وذلك ابتداء من اليوم السبت وإلى غاية 30 سبتمبر المقبل.