تشهد الجزائر اليوم تحولاً نوعياً في قطاعها الفلاحي، حيث تضع استراتيجية جديدة طموحة لتعزيز الأمن الغذائي وتحديث السياسات الزراعية، في مسعى لتحويل هذا القطاع الحيوي من مجرد نوايا حسنة إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع. فبعد ستة عقود من التحولات الهيكلية التي شهدها القطاع منذ الاستقلال عام 1962، تمر البلاد اليوم بمرحلة مفصلية تهدف إلى إعادة هيكلة شاملة للسياسة الفلاحية، تستند إلى التكنولوجيا والابتكار، وتضع نصب عينيها تحقيق السيادة الغذائية والاستجابة لتحديات التغير المناخي والتحولات الجيوسياسية العالمية.
وقد كشف إبراهيم جريبية، رئيس غرفة التجارة والصناعة والفلاحة بالجزائر العاصمة، عن حصيلة مشجعة للقطاع، مؤكداً أن الفلاحة الجزائرية تغطي حالياً أكثر من 75% من الإنتاج الوطني، مع تسجيل وفرة في بعض الشعبات كالحمضيات والخضروات. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى وجود تحديات هيكلية، على رأسها الفجوة بين أسعار المنتج والمستهلك، وضرورة تنظيم أفضل للتسويق، حيث أكد أن مشكلة الأسعار لا تكمن في الفلاح، فمهمة الفلاحة هي الإنتاج، بينما التسويق مهمة قطاع آخر.
وفي هذا السياق، تعكف وزارة الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري على إعداد مشروع قانون جديد للتوجيه الفلاحي والسيادة الغذائية، الذي وصفه الوزير ياسين المهدي وليد بأنه يشكل نهجاً جديداً لإعادة تنظيم القطاع. ويأتي هذا المشروع تنفيذاً لتعليمات رئيس الجمهورية، ويهدف إلى إرساء تنظيم شامل ودائم للقطاع، يقوم على رؤية مستقبلية يشارك في صياغتها المختصون والمهنيون.
تتمحور هذه الإصلاحات حول عدة نقاط أبرزها التحول الرقمي عبر نشر أنظمة معلومات فلاحية متكاملة، وإنشاء منصة وطنية لتحديد هوية الفلاحين ومنتجاتهم، مع اعتماد بطاقة فلاحية مهنية تحتوي على رمز الاستجابة السريعة لتسهيل الإجراءات الإدارية والبنكية. كما تشمل إصلاح نظام الدعم بالانتقال من دعم المدخلات الزراعية إلى دعم الإنتاج والأداء، فضلاً عن حماية الموارد الوطنية وتطوير البذور الوطنية، وإنشاء نظام متكامل لإدارة المخاطر الزراعية، وتشجيع الاستثمار الخاص والشراكات بين القطاعين العام والخاص.
وفي خطوة تعكس البعد الاجتماعي للإصلاحات، كشف الوزير ياسين المهدي وليد أن 90 ألف فلاح فقط من أصل 2.3 مليون مسجل في الجزائر يستفيدون حالياً من التغطية الاجتماعية، وهو رقم وصفه بالمنخفض بشكل غير مقبول. ولمعالجة هذا الخلل، أطلقت الوزارة حزمة تأمين مخصصة بسعر تفضيلي قدره 1500 دينار شهرياً، عبر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لغير الأجراء.
ولتعزيز الإنتاج الوطني، تعمل الجزائر على تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى، أبرزها برنامج بلادنا مع القطريين الذي يغطي إنتاج الحبوب واللحوم والحليب، إضافة إلى الشراكة مع الإيطاليين في تيميمون على مساحة 36 ألف هكتار مخصصة للحبود والمواد الغذائية. وفي قطاع الحبوب، الهدف هو تحقيق إنتاج يلبي الاحتياجات الوطنية المقدرة بـ9 ملايين طن، مع الإشارة إلى أن الجزائر لم تستورد بذور الحبوب منذ أكثر من 30 عاماً.
يمثل قطاع الفلاحة الجزائري اليوم ركيزة أساسية في الأمن الوطني والتنمية الاقتصادية، حيث يعمل على توظيف أكثر من 2.6 مليون شخص، أي ما نسبته 24% من القوى العاملة الوطنية. ومع الإصلاحات الهيكلية الجديدة، والاستثمار في التكنولوجيا، وتوسيع رقعة الأراضي المروية التي تجاوزت 1.5 مليون هكتار، وتطوير الزراعات الاستراتيجية في الجنوب، يبدو القطاع في طريقه لتحقيق قفزة نوعية نحو سيادة غذائية حقيقية.
وقد مر القطاع الزراعي منذ الاستقلال بمحطات كبرى، بدأت بمرحلة التسيير الذاتي بين عامي 1962 و1970 حيث غادر المعمرون تاركين نحو 2.7 مليون هكتار فتبنت الدولة هذا النظام للحفاظ عليها. تلتها مرحلة الثورة الزراعية وإعادة الهيكلة في السبعينيات والثمانينيات، أين أطلق الرئيس هواري بومدين قانون الثورة الزراعية لتوزيع الأراضي تحت شعار الأرض لمن يخدمها. وفي التسعينيات ومطلع الألفية، توجهت الجزائر نحو الإصلاحات واقتصاد السوق بخصخصة المزارع وتحويلها إلى مستثمرات فلاحية وإطلاق المخطط الوطني للتنمية الفلاحية.
وعلى صعيد المؤشرات والأرقام الحالية، تناهز المساحة الزراعية الإجمالية 48.1 مليون هكتار، بينما تبلغ المساحة الزراعية الصالحة للزراعة نحو 8.6 مليون هكتار. وقد شهدت المساحات المسقية قفزة نوعية بفضل الاستثمار في أنظمة الري المقتصدة للمياه لتنتقل من 350 ألف هكتار سنة 2000 لتتجاوز 1.5 مليون هكتار في الوقت الحالي. وتعتمد الاستراتيجية المعاصرة على توسيع الزراعات الاستراتيجية كالقمح والشعير والبقوليات والزراعات الزيتية، استصلاح الجنوب عبر استثمارات ومزارع متكاملة، وتقليص البصمة الكربونية بدمج الطاقات النظيفة في الإنتاج الفلاحي.



