تشهد الجزائر اليوم تحولاً نوعياً في قطاعها الفلاحي، حيث تضع استراتيجية جديدة طموحة لتعزيز الأمن الغذائي وتحديث السياسات الزراعية، في مسعى لتحويل هذا القطاع الحيوي من مجرد “نوايا حسنة” إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
فبعد ستة عقود من التحولات الهيكلية التي شهدها القطاع منذ الاستقلال عام 1962، تمر البلاد اليوم بمرحلة مفصلية تهدف إلى إعادة هيكلة شاملة للسياسة الفلاحية، تستند إلى التكنولوجيا والابتكار، وتضع نصب عينيها تحقيق السيادة الغذائية والاستجابة لتحديات التغير المناخي والتحولات الجيوسياسية العالمية.
كشف إبراهيم جريبية، رئيس غرفة التجارة والصناعة والفلاحة بالجزائر العاصمة، عن حصيلة مشجعة للقطاع، مؤكداً أن الفلاحة الجزائرية تغطي حالياً أكثر من 75% من الإنتاج الوطني، مع تسجيل وفرة في بعض الشعبات كالحمضيات والخضروات. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى وجود تحديات هيكلية، على رأسها الفجوة بين أسعار المنتج والمستهلك، وضرورة تنظيم أفضل للتسويق، حيث أكد أن “مشكلة الأسعار لا تكمن في الفلاح، فمهمة الفلاحة هي الإنتاج، بينما التسويق مهمة قطاع آخر”.
و تمتد المساحة الزراعية الإجمالية في الجزائر على 48.1 مليون هكتار، تشمل الأراضي الرعوية والمراعي الشاسعة، فيما تبلغ المساحة الصالحة للزراعة (SAU) نحو 8.6 مليون هكتار، تمثل حوالي 18% من إجمالي المساحة .
وشهدت المساحات المسقية للأراضي الزراعية في الجزائر قفزة نوعية، حيث انتقلت من 350 ألف هكتار فقط في سنة 2000 إلى حوالي 1.5 مليون هكتار حالياً، أي ما يمثل 17% من المساحة الفلاحية المستغلة . ويعود هذا التوسع إلى المجهود الكبير الذي تبذله السلطات العمومية لتوفير الموارد المائية، بما في ذلك المرافقة التقنية والمالية للفلاحين لاستخدام أنظمة الري المقتصدة للمياه كالرش بالتنقيط وبكرات اللف وآلات الرش المحوري .
هذا فيما وبلغت مساحة الغابات في الجزائر حوالي 4.1 مليون هكتار، ما يعكس تنوعاً بيئياً مهماً إلى جانب المساحات الزراعية .
و أعلنت وزارة الفلاحة عن تحقيق إنتاج قياسي من الحبوب قدره 50 مليون قنطار (5 ملايين طن) خلال موسم 2025، مقارنة بـ3 ملايين طن فقط في 2024، بنسبة نمو تقارب 66% . وجاء هذا الإنجاز بفضل:
- توسيع المساحات المزروعة إلى أكثر من 3 ملايين هكتار
- تسخير أكثر من 13,700 مشروع استثماري بقيمة 6 تريليونات دينار جزائري
- توزيع 4.2 مليون قنطار من البذور المعتمدة
- رفع متوسط الإنتاج إلى 1.4 طن/هكتار
ويأتي هذا التوسع في إطار استراتيجية وطنية تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح الصلب بحلول 2026، وتقليص واردات الحبوب التي تجاوزت 9 ملايين طن سنوياً .
و يوظف قطاع الفلاحة في الجزائر نحو 2.6 مليون شخص كعمال زراعيين، يمثلون أكثر من 74% من اليد العاملة الريفية و24% من القوى العاملة الوطنية . كما يضمن القطاع الأمن الغذائي للبلاد من خلال تغطية أكثر من 74% من الاحتياجات الوطنية من المنتجات الفلاحية .
وارتفعت قيمة الإنتاج الفلاحي من 23 مليار دولار في 2019 إلى 37 مليار دولار في 2024، فيما زادت مساهمة الفلاحة في الناتج المحلي الخام من 12% عام 2019 إلى 15% حالياً، مع توقعات بمزيد من الارتفاع خلال المواسم المقبلة، حيث يتوقع قانون المالية لسنة 2025 نمواً في القطاع بنسبة 4.4% .
و تعكف وزارة الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري على إعداد مشروع قانون جديد للتوجيه الفلاحي والسيادة الغذائية، الذي وصفه الوزير ياسين المهدي وليد بأنه يشكل “نهجاً جديداً لإعادة تنظيم القطاع”.
ومن أبرز محاور مشروع الاصلاح الزراعي الجديد في الجزائر:
التحول الرقمي: نشر أنظمة معلومات فلاحية متكاملة، وإنشاء منصة وطنية لتحديد هوية الفلاحين ومنتجاتهم، مع اعتماد بطاقة فلاحية مهنية تحتوي على رمز QR لتسهيل الإجراءات الإدارية والبنكية.
إصلاح نظام الدعم: الانتقال من دعم المدخلات الزراعية إلى دعم الإنتاج والأداء، بهدف تحسين فعالية الإنفاق العمومي وضمان تخصيص أفضل للموارد.
حماية الموارد الوطنية: الحفاظ على الموارد الوراثية المحلية النباتية والحيوانية، وتطوير إنتاج البذور الوطنية لتحقيق الاستقلالية في المادة الوراثية.
إدارة المخاطر: إنشاء نظام متكامل لإدارة المخاطر الزراعية، يشمل التأمين الزراعي وآليات الوقاية من الأخطار المناخية واستقرار الدخل.
تشجيع الاستثمار: تعزيز الاستثمار الخاص وتطوير الشراكات بين القطاعين العام والخاص، مع تبسيط الإجراءات الإدارية.
و في خطوة تعكس البعد الاجتماعي للإصلاحات، كشف الوزير ياسين المهدي وليد أن 90 ألف فلاح فقط من أصل 2.3 مليون مسجل في الجزائر يستفيدون حالياً من التغطية الاجتماعية، وهو رقم وصفه بـ”المنخفض بشكل غير مقبول”.
كما تعمل الجزائر على تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى، أبرزها برنامج “بلادنا” مع القطريين الذي وصفه جريبية بـ”مشروع القرن للجزائر”، والذي يغطي إنتاج الحبوب واللحوم والحليب، إضافة إلى برنامج مع الإيطاليين في تيميمون على مساحة 36 ألف هكتار مخصصة للحبوب والمواد الغذائية.
أما في قطاع الحبوب،فقد تم وضع هدف تحقيق الاكتفاء الذاتي من خلال بلوغ إنتاج يلبي الاحتياجات الوطنية المقدرة بـ9 ملايين طن، مع الإشارة إلى أن الجزائر لم تستورد بذور الحبوب منذ أكثر من 30 عاماً، بفضل جهود المهندسين في معهد المحاصيل الحقلية.
و يمثل قطاع الفلاحة الجزائري اليوم ركيزة أساسية في الأمن الوطني والتنمية الاقتصادية، حيث يعمل على توظيف أكثر من 2.6 مليون شخص. ومع الإصلاحات الهيكلية الجديدة، والاستثمار في التكنولوجيا، وتوسيع رقعة الأراضي المروية التي تجاوزت 1.5 مليون هكتار، وتطوير الزراعات الاستراتيجية في الجنوب التي وسعت المساحات المزروعة إلى أكثر من 3 ملايين هكتار، يبدو القطاع في طريقه لتحقيق قفزة نوعية نحو سيادة غذائية حقيقية .
و يظل نجاح الاستراتيجية الفلاحية في الجزائر مرهوناً بحل إشكالية الأراضي وتطوير آليات التسيير والتسويق، وهو ما تعالجه السلطات عبر إعداد قانون خاص بالأراضي وتحديث آليات الدعم. وفي هذا السياق، برز دور حيوي للمؤسسات الناشئة الجزائرية التي تعمل على دمج الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة (Agritech) لتقديم حلول مبتكرة للتحديات المحلية، مثل ندرة المياه وضعف الاتصال بالإنترنت، بهدف تحقيق نقلة نوعية في الإنتاج والخدمات الداعمة.
وقد تجلت هذه بوادر الثورة التكنولوجية في عدة نماذج رائدة ومبادرات ناجحة؛ منها مؤسسة “Qareeb” التي تقدم بيانات فورية عن التربة والمناخ عبر منتجها “Q-Farm”، ومؤسسة “حدائق بابل” المتوجة بالجائزة المتوسطية للشباب المقاولين 2025 بفضل نظامها للزراعة العمودية الموفر للمياه، بالإضافة إلى مؤسسة “Green ORC” المعتمدة على البيانات الفضائية والطائرات بدون طيار، ومؤسسة “IMSA” في مجال الهوية الرقمية، مما يضع البلاد على طريق السيادة الغذائية المستدامة بدعم من الابتكار الشبابي.

