طريق الحرير الجليدي.. أول خط ملاحي من الصين عبر القطب الشمالي إلى أوروبا

دشنت شركة الشحن الصينية “سي ليجند شيبينغ” (Sea Legend Shipping)، يوم السبت 15 أوت 2026، أول خط ملاحي منتظم لحاويات البضائع بين الصين وأوروبا عبر الممر الشمالي الشرقي في القطب الشمالي، في خطوة وصفت بـ”التاريخية” تهدف إلى فتح ممر تجاري أسرع وأقل تأثراً بالتوترات الجيوسياسية، ضمن رؤية بكين لـ”طريق الحرير الجليدي”.

انطلقت أولى رحلات هذا الخط، الذي يحمل اسم “الممر السريع الصيني-الأوروبي عبر القطب الشمالي” (China-Europe Arctic Express)، عند الساعة السابعة مساءً من مجمع موانئ نينغبو-تشوشان في شرق الصين، على متن سفينة الحاويات “دبي تاور” (Dubai Tower) التي ترفع علم ليبيريا، لتقطع المسافة إلى ميناء فيليكسستو في بريطانيا في غضون 21 يوماً، ثم تواصل طريقها إلى موانئ روتردام في هولندا، هامبورغ في ألمانيا، وغدينيا في بولندا . وتخطط الشركة لتسيير ثماني رحلات أسبوعية خلال النافذة الموسمية الممتدة حتى مطلع أكتوبر، باستخدام أسطول مكون من سبع سفن صغيرة ومتوسطة الحجم، من بينها “الرياض مكعب” و”أثينا أوديون” و”إسطنبول بريدج” .

يمثل هذا الممر الجديد نقلة نوعية في طرق التجارة العالمية، حيث يختصر زمن الرحلة البحرية بين الصين وأوروبا إلى النصف تقريباً مقارنة بقناة السويس. فبينما تستغرق الرحلة عبر القناة نحو 40 يوماً، وتتجاوز 50 يوماً في حال الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح لتجنب التوترات في البحر الأحمر، فإن الممر القطبي يختصر المسافة إلى ما بين 18 و22 يوماً . وقال شين جيانونغ، المدير العام لمجموعة موانئ تشجيانغ اللوجستية، إن المسار “يتميز بمزاياه في وقت العبور وأمن سلسلة التوريد” . وتأتي هذه الميزة في وقت تعاني فيه الملاحة في قناة السويس والبحر الأحمر من تبعات الحرب في غزة والهجمات على السفن التجارية، مما يجعل الممر القطبي بديلاً استراتيجياً يعزز مرونة سلاسل الإمداد الصينية الأوروبية .

لم تكن هذه الانطلاقة وليدة الصدفة، بل سبقتها رحلة تجريبية ناجحة في سبتمبر 2025، عندما قطعت سفينة “إسطنبول بريدج” المسار من نينغبو-تشوشان إلى فيليكسستو في 20 يوماً، مما أثبت الجدوى التجارية للخط وأظهر قدرته على نقل البضائع عالية القيمة والحساسة للحرارة، مثل خزانات تخزين الطاقة وبطاريات السيارات الكهربائية والألواح الكهروضوئية، والتي تشكل غالبية الحمولة المنقولة من مراكز التصنيع في نينغبو وإيوو . ووفقاً لتحليلات، فإن الممر القطبي يمكن أن يخفض المخزون لدى الشركات المصنعة بنسبة تصل إلى 40%، كما أنه يولد انبعاثات كربونية أقل بنحو النصف مقارنة بالطرق التقليدية، بفضل انخفاض درجات الحرارة الطبيعية على طول المسار وقصر مسافة الإبحار .

رغم هذه المزايا، يواجه الخط القطبي تحديات كبيرة أبرزها قصره الموسمي، حيث لا يسمح الغطاء الجليدي بالملاحة سوى بين يوليو وأكتوبر من كل عام، كما أن البنية التحتية للموانئ وخدمات الطوارئ على طول الممر لا تزال محدودة . ومع ذلك، تطمح الشركات المشغلة إلى تطوير هذه الخدمة تدريجياً، عبر تحسين قدرات الملاحة القطبية واستخدام سفن تعمل بالغاز الطبيعي المسال لتقليل البصمة البيئية، مع خطط لتمديد الموسم الملاحي مستقبلاً .

ترى بكين في هذا الممر امتداداً لرؤيتها الاستراتيجية “طريق الحرير القطبي”، التي أطلقتها عام 2018، بهدف تنويع خياراتها التجارية بعيداً عن الممرات البحرية التقليدية المزدحمة والمهددة جيوسياسياً . وقد وصفته صحيفة “إل سولي 24 أوري” الإيطالية بأنه “إحياء رمزي للروابط التجارية القديمة بين الشرق والغرب” . ويأتي هذا التطور في ظل ارتفاع التجارة بين الصين والاتحاد الأوروبي بنسبة 14.2% في النصف الأول من عام 2026، لتصل إلى 447.8 مليار دولار، مما يعزز الحاجة إلى ممرات لوجستية أكثر كفاءة وموثوقية . وبينما لا يزال هذا الخط يمثل جزءاً ضئيلاً من حجم الحاويات الأسبوعي بين شرق آسيا وشمال أوروبا، فإن تشغيله المنتظم يمهد الطريق لإعادة تشكيل خريطة التجارة العالمية تدريجياً، وتقديم خيارات أكثر تنوعاً لسلاسل الإمداد في عالم متزايد التعقيد الجيوسياسي .

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً