تحليل…اجتماع ألمانيا العسكري.. مؤشر على حرب قادمة في الشرق الأوسط؟

تطرقت الدكتورة ليلى نقولا، أستاذة العلاقات السياسية بجامعة لبنان، إلى السؤال الأكثر إلحاحاً في المشهد الإقليمي الراهن: هل يقف الشرق الأوسط على أعتاب جولة جديدة من الحرب الشاملة؟ وفي تحليلها، تشير إلى أن الحروب الطويلة تشهد لحظات يبدو فيها التصعيد الكبير وشيكاً، ثم يتراجع الجميع خطوة إلى الوراء، ليتبين أحياناً أنه كان مقدمة لمفاوضات أو غطاءً لها. لكن هناك لحظات أخرى أكثر خطورة، تتراكم فيها المؤشرات السياسية والعسكرية والنفسية، لتنفجر الحرب بالفعل.

وتلفت نقولا إلى أنه بعد أشهر من المواجهة تحت سقف الحرب الشاملة بين الولايات المتحدة وإيران، عاد الخطاب العسكري ليرتفع بصورة ملحوظة، إذ تنقل وسائل الإعلام عن القيادة العسكرية الإيرانية امتلاكها معلومات تفيد بوجود نقاشات أميركية حول استئناف العمليات العسكرية ضدها، فيما تحدثت القيادة الإيرانية عما وصفته بـ”ضوء أخضر” من بعض دول المنطقة، مهددةً بردّ من دون قيود على القواعد والمصالح الأميركية.

وترى نقولا أن هناك أربعة مسارات تتقاطع اليوم بصورة تجعل البيئة الإقليمية أكثر استعداداً للعودة إلى الحرب. المسار الأول يتمثل في استمرار الأزمة في مضيق هرمز والخليج، حيث يؤكد رئيس مجلس الشورى الإيراني، محمد باقر قاليباف، أن المضيق لن يفتح قبل استيفاء شروط إيران، مشدداً على رفض طهران الإملاءات واشتراطها تنفيذ واشنطن تعهداتها. في المقابل، حذّرت وزارة الخارجية الأميركية مواطنيها في منطقة الشرق الأوسط من احتمال حدوث “تصعيد غير متوقع”، داعيةً إلى توخي أقصى درجات الحذر.

أما المسار الثاني، فهو حرب اليمن، حيث تشكّل سيطرة جماعة أنصار الله على مناطق استراتيجية هامة، وقدرتهم على إصابة مناطق حيوية وأنابيب نفط في السعودية، عاملاً محفزاً لعودة الصراع. وقد تكون اليمن أحد أسباب ما قاله الإيرانيون عن رغبة دول عربية في عودة الأميركيين إلى الحرب الشاملة.

ويتعلق المسار الثالث بتطور أشكال التعاون الأمني بين إسرائيل وعدد من الدول العربية تحت مظلة أميركية. وفي هذا السياق، أورد موقع “أكسيوس” في 15 أيلول أن قائد القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)، الأدميرال براد كوبر، عقد اجتماعاً في ألمانيا الأسبوع الماضي ضم رؤساء الأركان العسكريين لكل من إسرائيل والسعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر والأردن ومصر، لمناقشة الحرب مع إيران والتوترات الإقليمية. وقد أكدت القيادة المركزية الأميركية عقد الاجتماع، مشيرةً إلى أن “القادة ناقشوا فرص تعزيز التعاون الأمني في الشرق الأوسط”.

ويضيف المسار الرابع بعداً سياسياً إلى المشهد، إذ تتجه القوى السياسية الإسرائيلية في الفترات الانتخابية إلى إظهار قدرتها على التعامل مع التهديدات الخارجية والظهور بمظهر الحزم والانتصار على الأعداء. وترى نقولا أن نتنياهو يريد أن تندفع الدول العربية والأميركيون إلى حرب شاملة ضد إيران تشارك فيها إسرائيل، لتعزيز فرص الليكود في الفوز وعودته إلى رئاسة الحكومة.

وفي المقابل، تشير نقولا إلى وجود قيود على التصعيد، أبرزها الانتخابات الأميركية، إذ تتزايد الأسئلة داخل الولايات المتحدة حول كلفة المواجهة المالية والعسكرية، ما يجعل من الصعب على الإدارة الأميركية العودة إلى حرب مفتوحة وطويلة الأمد، إلا إذا تعرضت القوات الأميركية أو المصالح الحيوية لهجوم كبير يفترض الرد. وتذكّر بأن مجلس النواب الأميركي صوّت خلال الأسبوع الماضي، ضمن آخر عمليات التصويت قبل انتخابات تشرين الثاني المقبل، لصالح إجراء يُلزم الرئيس دونالد ترامب بإنهاء حربه مع إيران، وهي المرة الثالثة التي يصدر فيها المجلس قراراً مماثلاً.

وترى نقولا أنه رغم ارتفاع مستوى التوتر والتهديدات الكلامية لترامب، لا توجد حتى الآن مؤشرات حاسمة على قرار أميركي بشن حملة عسكرية واسعة على إيران قبل الانتخابات النصفية، خاصة في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة في الولايات المتحدة، واستطلاعات الرأي التي تظهر استياء الناخبين من سياسات الحزب الجمهوري.

وتخلص نقولا إلى مفارقة أساسية: الأطراف، باستثناء إسرائيل، تبدو واعية لمخاطر الحرب الشاملة، لكنها في الوقت نفسه تواصل التحرك على حافة الهاوية. فترامب لا يريد حرباً جديدة قبل الانتخابات، وإيران لا ترغب في مواجهة شاملة في ظل الأزمات الاقتصادية في الداخل، ودول الخليج تخشى على استقرارها الاقتصادي والكلفة التي ستدفعها خاصة بعد تجربة حرب ربيع 2026.

ومع ذلك، تحذّر نقولا من أن الحروب كثيراً ما تنشب لأن هناك من يعتقد أنه قادر على التحكم بمسار التصعيد، ولأن الأطراف تعتقد أنها تستطيع أن تفرض شروطاً أفضل على طاولة المفاوضات بعد الحرب. وهنا تكمن خطورة المرحلة الحالية: المشكلة ليست في وجود قرار بالحرب، بل في كثرة المسارات التي قد تقود إليها.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً