تشهد تركيا واحدة من أكبر الأزمات المالية في تاريخها الحديث، بعد أن كشفت تحقيقات هيئة أسواق المال التركية عن عمليات تلاعب منظمة بأسعار الأسهم عبر 131 صندوقا استثماريا تديرها سبع شركات لإدارة المحافظ، وهي تيرا وبوسولا وهدف وأطلس وإيه 1 وباردوس وبولس.
وقد طالت الأزمة أكثر من 455 ألف مستثمر، ودفعت السلطات إلى تجميد الأصول وبدء إجراءات تصفية واسعة وأخرى قضائية.
انفجرت أزمة صناديق الاستثمار التتركية في 16 سبتمبر 2026، عندما واجهت شركتا تيرا بورتفوي وبوسولا بورتفوي عجزا عن تلبية طلبات استرداد أموال المستثمرين بعد موجة سحب جماعية غير مسبوقة. وانهار مؤشر بورصة إسطنبول BIST 100 بنسبة 5.54% في ذلك اليوم، بعد أن هوى بأكثر من 7.5% خلال الجلسة. وفي اليوم التالي، تدخلت هيئة أسواق المال وأوقفت التداول على جميع صناديق الشركات السبع، ثم أمرت بتصفية 131 صندوقا.
وبحسب إعلان هيئة أسواق المال بتاريخ 23 سبتمبر 2026، بلغ عدد المستثمرين الأفراد المتضررين 455,758 مستثمرا وفقا لسجلات مركز الإيداع المركزي. وتقدر القيمة الإجمالية للصناديق الخاضعة للتصفية بنحو 826 مليار ليرة تركية، أي ما يعادل حوالي 17 مليار دولار، وهو ما يمثل قرابة عُشر إجمالي سوق الصناديق التركية، لتكون بذلك أكبر فضيحة مالية في تاريخ البورصة التركية.
و كشفت التحقيقات أن الصناديق المتضررة استثمرت بشكل مكثف في أسهم منخفضة السيولة ذات تداول حر محدود، مما جعل من السهل التلاعب بأسعارها. ووفقا لخبراء ماليين، فقد تم تضخيم قيم أسهم منخفضة القيمة بشكل مصطنع، إذ ارتفعت أسهم تبلغ قيمتها الجوهرية نحو 5 ليرات إلى 500 ليرة بفعل عمليات مضاربة منسقة.
وذكرت تقارير أن أحد الصناديق التي تديرها تيرا حقق عائدا تجاوز 17,000% منذ مطلع عام 2025، وهو معدل غير قابل للتفسير اقتصاديا. ووصف وزير العدل التركي أكين غورليك هذه الممارسات بأنها تشبه مخططات بونزي الهرمية، حيث تعتمد على تدفقات أموال جديدة لتمويل التزامات مستثمرين سابقين.
هذا و أمرت هيئة أسواق المال بتصفية الصناديق الـ131، وكلفت بنكي زراعات وإش بانكاسي الحكوميين بالإشراف على عملية التصفية، حيث يتولى بنك إش تصفية صناديق تيرا بينما يتولى زراعات تصفية الصناديق الست الأخرى. وفي 20 سبتمبر 2026، قررت الهيئة تمديد فترة التصفية من ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر مراعاة لهياكل محافظ الصناديق والتطورات في السوق. كما جمدت السلطات ما مجموعه 750 مليون ليرة في إطار التحقيقات، وفرضت قيودا على 51 شخصا من مغادرة البلاد، وأمرت إحدى المحاكم بحجب الوصول إلى 246 حسابا على منصات التواصل الاجتماعي بدعوى نشر مواد تحرض على الذعر بين المستثمرين.
على الصعيد القضائي، فُتح تحقيق جنائي موسع ارتفع فيه عدد المشتبه بهم إلى 60 شخصا، من بينهم 4 قيد الاحتجاز الرسمي و44 موقوفا و12 هاربا. وشملت الاعتقالات إمري تيزمن، رئيس مجلس إدارة تيرا، إلى جانب مديرين آخرين. وبحسب صحيفة سوزجو التركية، أظهرت التحقيقات الأولية أن تيزمن حاول إلقاء المسؤولية الكاملة على مديري شركات إدارة المحافظ.
كما كشفت تقارير صحفية أن تحقيقات وحدة التحريات المالية وسّعت نطاقها ليشمل 117 مديرا في الشركات المتورطة، مع فحص تحركاتهم المالية منذ عام 2024، بما في ذلك التحويلات إلى الخارج والعملات المشفرة. وتمكنت السلطات من إيقاف عمليات تحويل بقيمة 2.5 مليار ليرة كان يُشتبه في محاولة تهريبها، وذلك في إطار المراقبة المشددة على الحسابات المصرفية للأشخاص والشركات المستهدفة.
وذكرت وكالة بلومبرغ أن السلطات التركية تدرس إنشاء مجمع موحد لأصول الصناديق الـ131 الداخلة في التصفية، بهدف إدارة عملية سداد المستثمرين بشكل أكثر عدالة ومركزية، ولا تزال المناقشات جارية حول الجهة التي ستتولى إدارة هذا المجمع.
أدى الهلع إلى سحب جماعي للأموال من الصناديق. ووفقا لبيانات منصة TEFAS، انخفضت قيمة صناديق سوق المال من 3.292 تريليون ليرة في 11 سبتمبر إلى 2.844 تريليون ليرة في 21 سبتمبر، بخروج صاف بلغ نحو 253.4 مليار ليرة. في المقابل، ارتفعت الودائع بالليرة التركية بمقدار 327.9 مليار ليرة خلال الفترة من 11 إلى 17 سبتمبر، مما يشير إلى تحول المستثمرين نحو الملاذات الآمنة.
ويظل السؤال الأكثر إلحاحا: هل سيسترد المستثمرون أموالهم؟ يؤكد الخبراء أن القيمة المعروضة في حسابات المستثمرين لا تعكس بالضرورة المبلغ النقدي القابل للاسترداد، لأن بيع الأصول منخفضة السيولة بكميات كبيرة قد يؤدي إلى انخفاض حاد في أسعارها. ويتوقف المبلغ النهائي الذي سيحصل عليه المستثمرون على الأسعار الفعلية التي ستُباع بها الأصول خلال فترة التصفية الممتدة. وبحسب المحامي التركي يالتشين أوزغه أوكات، فإن تصفية الصناديق تختلف عن إفلاس الشركات، إذ تشمل الإجراءات بيع أصول الصندوق وتسوية الديون ثم توزيع الأصول المتبقية على المستثمرين. ويحتفظ المستثمرون بحقوقهم القانونية، لكن موعد الصرف الفعلي يبقى رهنا بتعليمات الهيئة التنظيمية.



