كيف غيّر اتفاق الجزائر 2016 خارطة النفط العالمية ؟

تحيي الجزائر هذا شهر سبتمبر 2026 الذكرى العاشرة لاتفاق الجزائر الذي يشكل نقطة التحول التي أعادت هندسة سوق النفط العالمية، وأسست للإطار المؤسسي الذي يحكم اليوم تحالف “أوبك+”.

قبل عشر سنوات، وتحديداً في الثامن والعشرين من سبتمبر 2016، اجتمع وزراء النفط في الجزائر العاصمة وهم يدركون أن الخلافات بينهم قد تدفن أي أمل في إنقاذ سوق تنهار بوتيرة غير مسبوقة.

فمنذ منتصف 2014، هوى سعر خام برنت من حوالي 115 دولاراً للبرميل إلى ما دون الثلاثين دولاراً في مطلع 2016، بينما تجاوز فائض المخزونات التجارية لدى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في جويلية 2016 نحو 403 ملايين برميل فوق متوسط خمس سنوات .

ولم يكن الانهيار مجرد أزمة أسعار عابرة، بل جمّد أو ألغى استثمارات قاربت تريليون دولار، وفقد قطاع النفط والغاز نحو نصف مليون وظيفة . والأخطر أن أي خفض أحادي من “أوبك” كان سيصب في مصلحة المنتجين من خارجها، وعلى رأسهم روسيا والولايات المتحدة، الذين كانوا سيحافظون على حصصهم أو يزيدونها.

في ذلك السياق، لعبت الجزائر دوراً محورياً في تقريب وجهات النظر بين خصوم الأمس. لم يكن الاجتماع الذي استضافته العاصمة مجرد لقاء تشاوري عابر، بل تحوّل، إلى مؤتمر استثنائي رسمي رقم 170، وهو تحوّل إجرائي حاسم مكّن المنظمة من اتخاذ قرار ملزم بدلاً من الاكتفاء بتوصيات غير نافذة .

وبعد مفاوضات ماراثونية استمرت نحو ست ساعات، أعلنت “أوبك” اتفاقاً “تاريخياً” على تحديد سقف إنتاجها الجماعي عند 32.5 مليون برميل يومياً، مقابل 33.24 مليون برميل في أغسطس من العام نفسه . وُصف القرار بأنه “تاريخي” لأنه أول خفض من نوعه منذ 2008، وأول إجماع يُنتزع رغم رفض إيران المبدئي ورغم إخفاق محاولات سابقة في الدوحة .

لكن القيمة الحقيقية لهذا الاتفاق لم تكن في رقم السقف الإنتاجي، بل في البنية التي أنشأها. ففي الثلاثين من نوفمبر 2016 بفيينا، صادقت “أوبك” رسمياً على خفض قدره 1.2 مليون برميل يومياً ابتداءً من يناير 2017، محوّلةً الإعلان السياسي إلى التزامات محددة .

ثم جاء الإنجاز الأهم في العاشر من ديسمبر 2016، حين وقّعت “أوبك” مع إحدى عشرة دولة من خارجها، بقيادة روسيا، “إعلان التعاون” الذي التزمت بموجبه هذه الدول بخفض إضافي بلغ 558 ألف برميل يومياً، ليصل إجمالي الخفض إلى نحو 1.8 مليون برميل يومياً . في تلك اللحظة وُلد “أوبك+”، ليس كتحالف ظرفي، بل كإطار مؤسسي دائم غيّر توزيع القوة في سوق الطاقة العالمية.

ورغم أن الاتفاق حمل اسم الجزائر، إلا أن بصمتها الأكثر عمقاً كانت في اقتراحها إنشاء “اللجنة الوزارية المشتركة للمراقبة”، وهو عنصر مؤسسي مبتكر أُدرج في “إعلان التعاون” وتحول لاحقاً إلى أداة محورية لضمان التزام الدول الموقعة بحصصها . بذلك، انتقل تنسيق سياسات الإنتاج من دائرة النوايا الطيبة إلى نظام قابل للقياس والمساءلة، وهو ما انعكس لاحقاً في نسب التزام تاريخية تجاوزت 100% في مراحل عديدة . وقد أكدت “أوبك” نفسها أن الجزائر ظلت طرفاً فاعلاً في هذه اللجنة وفي اللجنة التقنية المشتركة، وبلغ متوسط التزامها بالاتفاق 104% منذ يناير 2017 .

وعشر سنوات بعد ذلك الاجتماع، لا تزال البنية التي انطلقت من “اتفاق الجزائر” حاضرة مباشرة في قرارات “أوبك+” لعام 2026، حيث يواصل التحالف العمل وفق “إعلان التعاون” الذي وُلد من مسار الجزائر . وقد أقرت الجزائر نفسها، قبيل الذكرى العاشرة، بأنها تعتبر “أوبك” و“أوبك+” الإطارين الأساسيين لاستقرار سوق النفط العالمية، مؤكدةً التزامها بهما بروح “المسؤولية الجماعية والحوار والتنسيق” . وتأتي زيارة الأمين العام الحالي، هيثم الغيص، إلى الجزائر في الفترة من 26 إلى 29 سبتمبر 2026 لتكون اعترافاً صريحاً بالدور التاريخي الذي لعبته البلاد، حيث تكتسي الزيارة “بعداً خاصاً” بمناسبة إحياء ذكرى الاتفاق .

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً