تشهدت بلجيكا صباح اليوم جمعة استثنائية مع انطلاق الإضراب الوطني الشامل الذي دعت إليه أكبر النقابات العمالية في البلاد، لتتحول شوارع العاصمة بروكسل إلى ساحة لمظاهرات حاشدة ضمت عشرات الآلاف من المواطنين، تقدمهم العمال والطلاب والباحثون الأكاديميون، احتجاجاً على السياسات الاقتصادية والتقشفية المرتقبة.
وامتدت آواصر الفوضى التشغيلية بسرعة إلى قطاع الطيران والملاحة الجوية، حيث تعطلت الحركة بشكل ملحوظ في مطار بروكسل الدولي جراء توقف موظفي الخدمات الأرضية بشركة “أليزيا” عن العمل، مما أسفر عن إلغاء نحو مائة وأربعين رحلة جوية، واضطرار الخطوط الجوية البلجيكية إلى حجب أربعين بالمائة من رحلاتها المجدولة. وعلى الرغم من استمرار الحركة الملاحية في مطار شارلروا بصورة طبيعية، إلا أن الوصول إليه بات مهمة شاقة للمسافرين بفعل الشلل الذي أصاب الطرق والشرايين المؤدية إليه.
ولم تكن وسائل النقل الداخلي بمعزل عن هذه الموجة، إذ شهدت العاصمة بروكسل شللاً كبيراً اقتصاراً على خطوط محدودة للمترو والترام والحافلات. وفي إقليم فلاندرز، توقفت نحو أربعين بالمائة من الحركة وسجلت مدينة أنتويرب أدنى مستويات التشغيل، بينما امتدت الاضطرابات لتشمل شبكة النقل كاملة في إقليم والونيا ومناطق لييج وشارلروا، في حين ظلت حركة القطارات الوطنية النقطة المضيئة الوحيدة بعد عدم انضمام عمال السكك الحديدية لإضراب اليوم.
وعلى صعيد الحراك الأكاديمي، رسم الطلاب والباحثون في جامعة بروكسل الحرة مشهداً غاضباً بإغلاقهم مدخل حرم “سولبوش” بالكامل منذ ساعات الصباح الأولى، متضامنين مع الكوادر التدريسية وعمال النظافة للتوجه في مسيرة موحدة نحو المحطة المركزية. وتأتي هذه التحركات رفضا لتقليص الميزانيات المخصصة للبحث العلمي وإلغاء برامج تدعيمية بارزة، وهو ما حذر منه ممثلو النقابات باعتباره تهديداً مباشراً لاستقلالية المراكز البحثية الجامعية ومستقبل التعليم العالي.
وتأتي تظاهرات اليوم الحاشدة وسط حالة من التوتر الأمني الشديد، لا سيما بعد الأحداث العنيفة التي شهدتها مدينة لييج خلال الأيام الماضية، والتي أسفرت عن أعمال تخريب واعتقال أكثر من مائة شخص، ما دفع السلطات المحلية إلى فرض حظر صارم يمنع تجمهر أكثر من ثلاثة أشخاص في شوارع المدينة حتى منتصف الشهر الجاري. وقد بلغت التظاهرات الوطنية ذروتها مع التجمعات الكبرى أمام المحطة المركزية بالعاصمة، لتنطلق المسيرات الرئيسية محملة برسائل حازمة للحكومة تؤكد أن الخدمات الأساسية من تعليم وصحة ونقل هي حقوق أصيلة وليست امتيازات خاضعة للتخفيض.



