فرنسا… “رجل أوروبا المريض”

تطرق تقرير لـ”بوليتيكو” إلى واقع الاقتصاد الفرنسي بوصفه “رجل أوروبا المريض”، مسلطاً الضوء على انزلاق ثاني أكبر اقتصاد في التكتل نحو أزمة مالية واجتماعية مزمنة تغذي إحداهما الأخرى، بالتزامن مع التحضير للانتخابات الرئاسية القادمة.

جاء هذا التقرير في أعقاب عطلتي نهاية أسبوع شهدتا خروج مئات الآلاف من التظاهرين إلى الشوارع للمطالبة بزيادة أجور المعلمين، وإصلاح المدارس المتهالكة، ودعم كلفة المعيشة المتصاعدة. وقد حذر رئيس الوزراء السابق ميشيل بارنييه في تصريح لـ”بوليتيكو” من أن فرنسا باتت على شفا أزمة مالية تؤكد ضرورة إرسال إشارات إيجابية للأسواق المالية.

ورغم نجاح السلطات في منع أعمال الشغب والنهب خلال الجولة الأخيرة مقارنة بتظاهرات منتصف أكتوبر، إلا أن الأسواق المالية أصيبت بالذعر؛ حيث أقدم المستثمرون على التخلص من الديون الفرنسية والمطالبة بعوائد مرتفعة تاريخياً نتيجة فشل الحكومة في تخفيض العجز المستمر، وتقليص حجم الدين العام البالغ 3.5 تريليون يورو، وتحفيز النمو، وإصلاح نظام التقاعد غير المستدام.

ويزيد من مخاوف المستثمرين مشهد الانتخابات الرئاسية المرتقبة في الربيع المقبل، والتي تشير الاستطلاعات إلى تقدم مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان بحصولها على 34% من الأصوات، يليها مرشح أقصى اليسار جان لوك ميلينشون بنسبة 15%، مما يعني أن نحو 50% من الناخبين يتجهون لدعم شخصيات مناهضة للمؤسسة الرسمية، وكلاهما ينادي بإنفاق المليارات لتخفيض سن التقاعد. وفي المقابل، يواجه مرشح يمين الوسط إدوار فيليب، الذي يقدم نفسه كمرشح للانضباط المالي، صعوبات في إعطاء زخم لحملته.

وتشير التقديرات إلى أن الخسائر الأولية لأعمال الشغب بلغت عشرات الملايين من اليوروهات (تغطي التأمينات معظمها)، إلا أن الاستمرار في هذه الاضطرابات يهدد بأضرار أعمق على غرار احتجاجات “السترات الصفراء” (2018-2020) التي كبدت الاقتصاد 0.1% من الناتج المحلي الإجمالي وخسائر للمتاجر بلغت ملياري يورو. وأكد وزير الاقتصاد والمالية السابق إريك لومبارد لـ”بوليتيكو” أن للاحتجاجات تأثيراً مباشراً ومحسوساً على الأسواق.

وفي ظل مقترح الموازنة لعام 2027 الذي قدمه رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو والمتضمن ادخار 43 مليار يورو، تجد الحكومة نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاقتراض مجدداً وتحميل الأجيال القادمة مليارات اليوروهات كفوائد، أو الرهان على انحسار الاحتجاجات تلقائياً. وصرح أحد الوزراء المعنيين شريطة عدم الكشف عن هويته: “السكين على أعناقنا ونشعر بقطرات الدم على الوريد، وعلينا إظهار الاستماع للغضب الشعبي رغم ضيق مساحة المناورة أمام وضع الأسواق”.

وعلى صعيد المقارنات التاريخية، استشهد رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق ماريو مونتي بفرص تفاقم الأزمة سريعاً، متذكراً أزمة الديون الإيطالية عام 2011 حين قفز الفارق بين السندات الإيطالية والألمانية من 150 إلى أكثر من 500 نقطة أساس خلال أشهر. وفي الوضع الفرنسي الحالي، وصل الفارق بين الديون الفرنسية والألمانية إلى 169 نقطة أساس، بينما بلغ عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات مستوى 5.14%، وهو الأعلى منذ عام 2002. وأوضح مونتي أن فرنسا طالما عُدّت “الطفل المدلل” للاتحاد الأوروبي المستفيد من ثقله السياسي لخرق القواعد المالية، لكن الرأي العام الفرنسي ليس مستعداً نفسياً بعد لرؤية بلاده كهدف أو مركز لأزمة ديون سيادية قد تمتد للآخرين.

ولا تقتصر الأزمة على الأرقام المالية بل تمتد إلى فقدان الثقة؛ إذ أظهر استطلاع حديث أن 9 من كل 10 فرنسيين متشائمون بشأن المستقبل ويعتقدون أن أبناءهم سيكونون في وضع أسوأ منهم، في حين أظهرت دراسة أوروبية أن نصف الفرنسيين فقط يشعرون بالفخر بنظامهم الديمقراطي مقارنة بـ ثلثي الألمان ونحو 70% من البريطانيين.

ويتفق المسؤولون والدبلوماسيون الذين تحدثت معهم “بوليتيكو” على أن فرنسا لا تواجه سيناريو إفلاس كاملاً على الطريقة اليونانية، حيث أكد الخبير المالي والبرلماني شارل دي كورسن أن بلاده ليست “جمهورية موز” تواجه خطر الإفلاس التام، لكنها تجد نفسها في وضع مشابه لإيطاليا عام 2011. وختم التقرير بالإشارة إلى أن فرنسا فقدت مصداقيتها أمام شركائها الأوروبيين بشأن الالتزامات المالية وإعادة تنظيم الموازنة لتقليص العجز إلى 3% بحلول عام 2029 كما وعدت سابقاً، مما وضعها في موقف ضعف على الساحة الأوروبية والدولية.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً