حذرت كبرى شركات السلع الاستهلاكية والأغذية في العالم، بدءاً من كوكاكولا وبروكتر آند غامبل وصولاً إلى نستله وريكيت، من زيادات جديدة في الأسعار العام المقبل لتغطية التكاليف المتزايدة، حتى مع استمرار إحجام المتسوقين عن الإنفاق ببذخ على سلع البقالة.
ويعني ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الخام والشحن، نتيجة للحرب التي تشنها الولايات المتحدة على إيران، أن الشركات التي تنتج كل شيء بدءاً من المنظفات وصولاً إلى المشروبات الغازية والوجبات الخفيفة، تواجه مهمة صعبة لتحقيق التوازن من أجل حماية هوامش أرباحها.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تواجه فيه الشركات معادلة صعبة: فمن ناحية، تدفع تكاليف الطاقة والشحن المرتفعة إلى زيادة نفقات الإنتاج، ومن ناحية أخرى، أصبح المستهلكون أكثر حذراً في إنفاقهم بعد سنوات من التضخم المتراكم.
وقال هنريك براون، الرئيس التنفيذي لشركة كوكاكولا، إن ضغوط التكاليف “مدفوعة بارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية والنقل”، مشيراً إلى أنها قد تستمر حتى عام 2027. وأضاف أن الشركة ستعتمد على مزيج من رفع الأسعار وزيادة الإنتاجية لمواجهة هذه الضغوط.
من جانبه، كان أندريه شولتن، المدير المالي لشركة بروكتر آند غامبل، أكثر وضوحاً، إذ صرح قائلاً: “في ظل هذا المستوى من ضغوط المواد الخام… لا يمكن للصناعة بأكملها سوى رفع الأسعار، لأنه لا توجد طريقة أخرى لتعويض هذه الضغوط”. وقد رفعت الشركة توقعاتها لتأثير ارتفاع تكاليف المواد الخام والطاقة والشحن على الأرباح من مليار دولار إلى 1.4 مليار دولار.
لكن المشكلة الأساسية التي تواجهها هذه الشركات هي: إلى أي مدى يمكن رفع الأسعار دون أن يتخلى المستهلكون عن الشراء؟
أشار ديفيد فاغنر من شركة أبتوس كابيتال الاستشارية، وهو أحد المساهمين في بيبسي، إلى أن “رفع الأسعار هو آخر ورقة لدى هذه الشركات، لكنهم يلعبونها أمام مستهلكين استنفدوا بالفعل طاقتهم الشرائية”. وأضاف أن المستهلكين “قد وصلوا بالفعل إلى الحد الأقصى لما هم على استعداد لدفعه مقابل الوجبات الخفيفة”.
وقد يكون التحذير الأكثر دلالة على صعوبة الوضع ما حدث لشركة شوكولاتة ليندت السويسرية، التي عانت من “سوء تقدير استجابة المستهلكين لرفع الأسعار”، مما أدى إلى إقالة رئيسها التنفيذي.
وفيما يتعلق بشركة نستله، صرحت المديرة المالية آنا مانز أنها ستستمر في رفع الأسعار “بشرط عدم الإضرار بالاختراق متوسط الأجل للمستهلكين”، مع الاعتراف بأن رفع الأسعار قد يؤدي إلى انخفاض قصير الأجل في حجم المبيعات.
أما شركة ريكيت، فقد صرح رئيسها التنفيذي كريس ليكت أن الشركة “قد تضطر إلى رفع الأسعار بشكل أكبر عند هذا المستوى من التكاليف”، مع الموازنة بين الأنشطة الترويجية للحفاظ على جاذبية المنتجات.
وتأتي هذه التطورات في سياق تضخمي أوسع. فقد أشار صندوق النقد الدولي إلى أن الحرب في إيران دفعت توقعات التضخم العالمي لعام 2026 إلى الارتفاع من 4.1% إلى 4.7%. كما سجل مؤشر أسعار الغذاء العالمية لمنظمة الأغذية والزراعة ارتفاعاً لثلاثة أشهر متتالية، ليصل إلى أعلى مستوى له منذ نوفمبر 2022.
وفيما يتعلق بالطاقة، أشار تحليل لبي بي سي إلى أن صادرات الديزل من دول الخليج انخفضت بنحو 58%، وارتفع سعر الديزل في الولايات المتحدة من حوالي 3.50 دولار للجالون قبل الحرب إلى 6.20 دولار. وبما أن الديزل هو الوقود الأساسي للشاحنات والسفن، فإن ارتفاع تكاليف النقل ينتقل مباشرة إلى أسعار السلع.
وباختصار، فإن الحرب أشعلت تكاليف الطاقة والشحن، مما أجبر الشركات على رفع الأسعار لحماية هوامش الربح، لكن المستهلكين لم يعودوا قادرين على تحمل المزيد. وتواجه الشركات معضلة صعبة تتمثل في أن رفع الأسعار قد يؤدي إلى فقدان العملاء، وعدم رفعها قد يؤدي إلى تآكل الأرباح.
وبينما تستعد الشركات لإعلان نتائجها الفصلية المقبلة، يترقب المستثمرون والمستهلكون على حد سواء ما إذا كانت هذه الشركات ستتمكن من إيجاد توازن بين الحفاظ على الربحية والحفاظ على ولاء العملاء، في ظل بيئة اقتصادية عالمية تتسم بعدم اليقين.



