ماري-جوزي نات…فروجة الأفيون والعصا،و القلب الذي اختار الجزائر

بينما كانت العلاقات بين الجزائر وفرنسا مثقلةً بجراح التاريخ وذاكرة استعمارية مدرجة بالدم والدمار، اختارت ماري-جوزي “Marie-José Nat” نات أن تسلك طريقًا آخر، طريق القلب لا السياسة. لم تكن مجرّد ممثلة تبحث عن دور جديد، بل كانت امرأة تبحث عن انتماءٍ صادق في عالمٍ من الانقسام. من جزيرة كورسيكا التي شهدت ميلادها، إلى القصبة التي احتضنت أحلامها، خاضت رحلةً فنية وإنسانية استثنائية انتهت بقرارٍ غيّر مسار حياتها: الانضمام إلى الجزائر، البلد الذي أحبّته كما لو كان قدرها الفني والوجداني.

وُلدت ماري-جوزي نات (واسمها الحقيقي ماري-جوزي بن حلاسة Marie-José Benhalassa) سنة 1940 في جزيرة كورسيكا لأمٍ فرنسية وأبٍ جزائري، وهو ما منحها هوية مزدوجة ظلت تتجلّى في ملامحها وأدوارها واختياراتها.

اقتحمت ماري-جوزي نات عالم السينما منتصف الخمسينيات، وشاركت في أكثر من ثلاثين فيلمًا وعشرين عملًا مسرحيًا، لتترك بصمتها الأعمق في الذاكرة الجزائرية من خلال دور “فروجة” في فيلم «الأفيون والعصا» للمخرج أحمد راشدي، حيث جسّدت ببراعة ألم الحرب وصدق الإنسان في مواجهة المستعمر.

لم تكن نات فنانةً عابرة في المشهد، بل كانت صوتًا فنيًا متمرّدًا تجاوز الحساسيات السياسية والثقافية، ووقفت إلى جانب الجزائر بعد الاستقلال بإيمان الفنّ كجسرٍ لا كجدار. عام 1974، نالت جائزة أفضل دور نسائي في مهرجان كان السينمائي عن فيلم Les Violons du Bal، لتؤكد أن الإبداع الحقيقي لا وطن له سوى الصدق.

رحلت ماري-جوزي نات في مثل هذا اليوم من عام 2019 عن عمر ناهز 79 عامًا، لكنّ صورتها في “الأفيون والعصا” ما تزال حيّة في ذاكرة الجزائريين، كرمزٍ للفنّ النبيل والوفاء الإنساني. لقد كانت ماري ابنة ضفتين، حملت في ملامحها تصالح التاريخ عبر الجمال، وفي سيرتها برهانًا على أن الفنّ حين يُخلص للإنسان، يخلّد صاحبه مهما رحل الجسد.

تابع
في رحاب صناعة المحتوى الإعلامي يقود فاتح لشهب، مدير تحرير موقع “الصحفي”، مسيرة العمل برؤية معاصرة؛ فهو يمزج بين الدقة العلمية في البحث وعمق التحليل، ليطرح رؤى متوازنة تتجاوز التبسيط، ويغني النقاش بمضامين تحفّز القارئ على التأمّل والتدقيق في أكثر قضايا عصرنا تعقيدًا.
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً