يصادف يوم غد، العاشر من مارس، الذكرى الثانية والثلاثين لرحيل أحد أعمدة الثقافة الجزائرية، الكاتب والمخرج المسرحي الفذ عبد القادر علولة، الذي استهدفته يد الغدر الإرهابية في مثل هذا اليوم من عام 1994 بمدينة وهران.
رحل علولة تاركاً خلفه فراغاً لم يسده أحد، لكنه ترك أيضاً مدرسة مسرحية متفردة جعلت من “الحلقة” الشعبية فلسفة فنية عالمية، تربط بين التراث الجزائري الأصيل والحداثة المسرحية.
لم يكن علولة مجرد مسرحي عابر، بل كان باحثاً سوسيولوجياً فوق الخشبة. استطاع من خلال مسيرته الحافلة أن ينقل المسرح من قوالبه الكلاسيكية الغربية إلى رحاب “الحلقة” و”القوال”، مستلهماً من التراث الشفهي الجزائري وسيلة للتواصل مع الجماهير. أعماله الخالدة مثل ثلاثية: “الأجواد”، “القوال”، و**”لجواد”**، لم تكن مجرد عروض فنية، بل كانت صرخة اجتماعية وإنسانية تنبض بهموم “الزوالية” والمهمشين الذين لطالما دافع عنهم بكلمته وقلمه.
في ذلك المساء الحزين من شهر رمضان عام 1994، وبينما كان علولة متوجهاً لإلقاء محاضرة، امتدت يد الظلام لتحاول إسكات صوته. ورغم أن الرصاصات نالت من جسده، إلا أنها عجزت عن وأد مشروعه الثقافي. لقد كان اغتيال علولة محاولة لضرب العقل المفكر للثقافة الجزائرية، لكنه تحول منذ ذلك الحين إلى رمز للمقاومة بالفكر والجمال، وظل “مسرح وهران الجهوي” الذي يحمل اسمه اليوم، شاهداً على روحٍ رفضت الانحناء أمام العنف.
اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود على رحيله، لا تزال نصوص علولة تُدرس وتُعرض على خشبات المسرح داخل وخارج الوطن. لقد استطاع “سيد الحلقة” أن يؤصل لمسرح جزائري الهوية، عالمي الأبعاد، حيث يظل منهجه في “الارتجال المنظم” والاعتماد على طاقة الممثل الجسدية واللغوية مرجعاً للباحثين. في ذكرى اغتياله، لا نحيي فقط ذكرى رحيل فنان، بل نجدد العهد مع قيم التنوير والحرية التي ضحى من أجلها علولة بحياته في سبيل جزائر مثقفة ومنفتحة.

