دعاء إبراهيم…”فوق رأسي سحابة” محاولة لفهم العنف الإنساني ومناطق الظل في النفس البشرية

في المشهد الروائي العربي المعاصر، تبرز الروائية المصرية دعاء إبراهيم بوصفها صوتًا سرديًا ينحاز إلى الأسئلة العميقة التي تسكن الإنسان في هشاشته وقلقه الوجودي.

في أعمالها، لا تبدو الكاتبة دعاء إبراهيم مجرد حكاية تُروى، بل تجربة فكرية وجمالية تسعى إلى تفكيك الداخل الإنساني والاقتراب من المناطق المعتمة في الوعي والذاكرة.

الكتابة المصرية  تنتمي إلى جيل من الكُتّاب الذين يكتبون الرواية بوصفها فضاءً للتأمل في مصير الإنسان، حيث تتقاطع اللغة المكثفة مع حسّ شاعري دقيق، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى مفاتيح لفهم العالم.

و على امتداد مسارها الأدبي، قدّمت دعاء إبراهيم عددًا من الأعمال التي لفتت الانتباه إلى صوتها السردي المتفرّد، من بينها رواية «حبة بازلاء تنبت في كفّي» و «ست محاولات للهو» ، إلى جانب حضورها في حقل القصة القصيرة. وقد حصدت أعمالها اهتمامًا نقديًا وقراءيًا متزايدًا، وتوّج هذا المسار بوصول روايتها «فوق رأسي سحابة» إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، وهي رواية تمضي في مساءلة العنف الإنساني والذاكرة والذنب عبر بناء رمزي يستحضر شخصيات تأسيسية مثل قابيل وهابيل، ويشتغل بعمق على الداخل النفسي للشخصيات.

في هذا الحوار مع موقع “الصحفي”، تتحدث دعاء إبراهيم عن فلسفتها في الكتابة، وعن علاقتها باللغة والرمز، وعن الكيفية التي تتحول بها الرواية إلى مساحة لمواجهة الذات والعالم معًا. كما تتوقف عند معنى الجوائز الأدبية، وحدود قدرتها على إنصاف النصوص، وتكشف عن رؤيتها لموقع الرواية العربية اليوم، في لحظة ثقافية تتكاثر فيها الأصوات وتتعاظم فيها الأسئلة الوجودية.

الصحفي: كيف تعرّفين نفسكِ اليوم: كاتبة تكتب الرواية، أم روائية تعيد اكتشاف ذاتها في كل نص؟

دعاء إبراهيم: أميل إلى الاعتقاد بأن أي إنسان لا يمتلك تعريفًا نهائيًا لنفسه. كل تعريف هو سجن صغير للنفس. أشعر أنني أبعد من حيزي الصغير، ورغم ذلك أقل من أن أجعل العالم أفضل. لا أرى نفسي مجرد كاتبة تكتب الرواية، ولا روائية اكتملت صورتها عن الذات. أنا في الحقيقة شخص يحاول أن يفهم العالم عبر اللغة، كل نص أكتبه هو محاولة جديدة لاكتشاف منطقة مظلمة بالنسبة إليّ.

الصحفي: عنوان «فوق رأسي سحابة» يفيض بالرمزية، ما الدلالة التي أردتِ تحميلها له؟ وهل السحابة عبء وجودي أم مساحة حماية وتأمل؟

دعاء إبراهيم: العنوان بالنسبة لي ليس زينة للنص، بل بوابة للدخول إليه. أتبع منهج أمبرتو إيكو في النظر إلى العنوان؛ إذ أرى أن يكون العنوان مليئًا بالدلالات إلى الدرجة التي تجعله يفقد كل الدلالات، ليترك المجال للقارئ كاملًا للتأويل دون الضغط عليه نحو تأويل بعينه.

الصحفي: هدفكِ الأول هو أن تكوني نفسكِ قبل أي شيء، وأن تقتربي عبر الكتابة من ذاتكِ الهشّة والقلِقة. إلى أي حدّ تتحوّل الكتابة عندكِ إلى فعل مصالحة مع الذات قبل أن تكون تمثيلًا للآخرين؟

دعاء إبراهيم: أظن أن كل كتابة صادقة تبدأ من الذات، لكنها لا تنتهي عندها، حين أكتب أفكر في تمثيل الآخرين لكي أفهم التجربة الإنسانية التي نعبرها جميعًا بدرجات مختلفة.

الكتابة بالنسبة لي ليست مصالحة بالمعنى السهل للكلمة، بل هي أقرب إلى مواجهة: مواجهة مع مناطق الهشاشة والقلق والشك. أحيانًا تكون قاسية جدًا. حين أسير في الشوارع وأرى الذين بلا بيت، أو حين أشاهد على شاشة التلفاز معاناة اللاجئين وثكالى الحروب، أشعر أن عليّ أن أكون صوتهم، وأن على الفن أن ينقل تجربتهم بصورة فنية بعيدة عن المبالغة والخطابية، وقريبة من ملابسات الواقع وتناقضاته.

الصحفي: في الرواية اشتغال واضح على الداخل النفسي للشخصيات، كيف توازنين بين العمق النفسي والسرد دون الوقوع في المباشرة؟

دعاء إبراهيم: العمق النفسي في الرواية لا يتحقق عبر الشرح، بل عبر الإيحاء.

أحاول أن يظهر الداخل النفسي من خلال التفاصيل الصغيرة: حركة، صمت، جملة مبتورة، أو ذاكرة تعود فجأة ثم تختفي. لديّ قناعة شخصية بأن التفاصيل الصغيرة هي التي تغيّرنا وتنقلنا في هذه الحياة من نقطة إلى أخرى.

السرد هنا يصبح مساحة يتجاور فيها الظاهر والخفي إلى منطقة أكثر رحابة، القارئ لا يحتاج إلى تفسير كامل، بل إلى إشارات تسمح له بأن يشارك في بناء المعنى.

الصحفي: استدعيتِ في «فوق رأسي سحابة» رموزًا تأسيسية مثل هابيل وقابيل، إلى جانب حضور الغراب كعلامة سردية ودلالية. كيف اشتغلتِ على هذه الرموز داخل الرواية؟ وهل كان استدعاؤها محاولة لقراءة الجريمة الأولى بوصفها أصلًا متكررًا للعنف والذنب في التجربة الإنسانية؟

دعاء إبراهيم: كنت أفكر كثيرًا في الجريمة الأولى في التاريخ الإنساني. لا أفكر فيها بوصفها حكاية دينية فحسب، بقدر ما أراها سؤالًا وجوديًا عن فلسفة القتل والعنف البشري الفطري، حين استدعيت هذه الرموز لم يكن الهدف إعادة سردها، بل دمجها داخل القصة الأساسية وطرح أسئلتي من خلالها عن ارتباط الحب بالقتل، وعن احترافية الإنسان في ممارسة العنف بأشكاله المختلفة، قابيل داخل الرواية لم يكن رمزًا بقدر ما كان إنسانًا من لحم ودم.

الصحفي: لغتك السردية تميل إلى التكثيف والشاعرية، هل تولد اللغة مع الفكرة، أم تتشكّل أثناء عملية الكتابة؟

دعاء إبراهيم: اللغة لا تأتي جاهزة. تظهر الرواية في رأسي كفكرة أولية، ثم تبدأ اللغة في الاقتراب منها تدريجيًا، أحيانًا أشعر أن الشخوص هم الذين يصنعون لغتهم التي تعبّر عنهم، لا العكس. الجملة الجيدة تفتح بابًا لجملة أخرى، والفكرة الصغيرة تكبر مع الوقت، وكأن النص يختار طريقه عبر سلسلة من الاكتشافات الصغيرة.

الصحفي: ما اللحظة الأصعب في كتابة هذه الرواية: لحظة البداية، أم الاستمرار، أم قرار النهاية؟

دعاء إبراهيم: أظن أن أصعب لحظة دائمًا هي لحظة البداية، أما الاستمرار فيشبه بالنسبة إليّ السير في طريق مجهول. لكن النهاية غالبًا ما تأتي هادئة، كأنها نقطة طبيعية يصل إليها النص بعد رحلته.

الصحفي: كيف استقبلتِ وصول الرواية إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية؟ وماذا أضافت لكِ هذه التجربة إنسانيًا وإبداعيًا؟

دعاء إبراهيم: كان الخبر لحظة امتنان كبيرة. الجوائز تمنح الرواية حياة أوسع، وهذا أمر جميل، ما أسعدني أكثر هو أن الرواية وجدت طريقها إلى قراء جدد.

الصحفي: بعد «فوق رأسي سحابة»، هل تشعرين بأنكِ مطالبة بتجاوز هذا العمل، أم تعتبرينه محطة طبيعية في مسار لا يزال مفتوحًا على القلق والأسئلة؟

دعاء إبراهيم: أعتقد أنني تجاوزت الرواية بالفعل، وأفكر حاليًا في الذهاب إلى منطقة جديدة.

الصحفي: تأتي رواية «فوق رأسي سحابة» بوصفها عملكِ الروائي الرابع، بعد مسار حافل بالأعمال المتوَّجة مثل «حبة بازلاء تنبت في كفّي» و«ست محاولات للهو»، إلى جانب تجربتكِ في القصة القصيرة. كيف ترين تطوّر صوتكِ السردي من عمل إلى آخر؟ وهل تمثّل هذه الرواية خلاصة مرحلة أم بداية أسئلة جديدة في تجربتكِ الإبداعية؟

دعاء إبراهيم: في كل عمل أعيد اكتشاف صوتي السردي وقدرتي على التعبير، لذلك أعتبر كل عمل جديد عملاً أول، أخوض فيه التجربة الأولى بالخوف والدهشة ذاتهما.

الصحفي: برأيك، هل الجوائز الأدبية تُنصف النص دائمًا، أم تُنصف لحظة ثقافية معيّنة؟

دعاء إبراهيم : الجوائز تفرز كل عام روايات عدة وفي كل عام هناك لجنة تحكيم تختلف عن غيرها، لقد حلت الجوائز محل الناقد في ظل مشاكل كبيرة تواجه النقاد وتفقدهم سلطتهم القديمة، حيث بدا الأمر أنه طوال الوقت خارج عن السيطرة وفوضوي، وعلى قدر سوء الفوضى على قدر جمالها الكامن في الحرية المطلقة للجميع، فالجائزة ترى الأفضل من وجهة نظرها والقراء يرون الأفضل وفق مزاجهم القرائي، والنقاد يرون الأفضل وفق مدارسهم الحديثة والقديمة على حد السواء، لكن الكاتب، حجر الزاوية، يمضي في طريقه، يكتب، يخلص للكتابة، يحب ما يفعله حبًا أفلاطونيًا لا يناسب مجريات العصر.

هناك روايات “كبيرة” أغفلتها الجوائز وهناك روايات “ضعيفة فنيًا” توجتها جوائز وهناك روايات جديرة بأن تحصل على جوائز مهمة وحالفها الحظ وحصلت عليها، لكن الجودة أو القيمة أو الفنية سيبقى السؤال العصي الذي لا يمكن الإجابة عليه عبر “جائزة”،  السؤال عن قيمة ما نقدمه وجودته يحتاج لزمن كامل ومشوار طويل قد نصل إلى نهايته وقد لا نصل، وقد يحتاج لزمن آخر ينصفه كما حدث مع الشاعر دانتي أليجييري الذي التفت إليه الجميع بعد أن مات في المنفى ليتداركوا خطأ ربما لا يمكن التكفير عنه.

وهذا يحيلني إلى خصوصية الجودة، أنها رغم كل شيء شعور داخلي محرض على تكرار تجربة الكتابة مرة تلو الأخرى، حتى ولو أغفلت الجوائز ما هو جيد بالفعل أو أصابته. لم تعد تفرق، لأن هناك دومًا شعورًا بالجودة عميقًا وحقيقيًا لدى الفنان نفسه، وهذا الشعور هو ما يدفعه للموت مطمئنًا أن الزمن سينصفه، حتى لو تشكك في صحة تلك النظرية كما أفعل في أحيان كثيرة، لكنها على الأقل نظرية عادلة وبسيطة ومريحة ويمكن التقول بها دون حرج.

في الخلاصة كي أتجنب الإطالة، الجوائز أكبرها وأصغرها تحتاج بشدة إلى مبدع حقيقي، ربما أكثر مما يحتاجها هو ليثبت أمام الناس أنه يجيد ما يفعله، الجائزة تحتاج إلى مبدع حقيقي لأن العمل الجيد هو الدليل الوحيد على قيمتها ونزاهتها، في حين أن المبدع سيخسر جائزة ويفوز بأخرى لكن عنصر الجودة ينبع طوال الوقت من أعمق وأعنف نقطة في كيانه، النقطة التي تجعله لا ينهزم أبدًا، على الأقل، أمام نفسه، حتى لو بدا مهزومًا أمام الآخرين.

الصحفي: كيف ترين موقع الرواية العربية اليوم، خصوصًا فيما يتعلّق بتمثيل الأسئلة الوجودية والقلق الإنساني؟

دعاء إبراهيم : الرواية العربية اليوم تعيش لحظة ثراء حقيقية. هناك تنوع في الأصوات والتجارب، وجرأة أكبر في طرح الأسئلة الوجودية والإنسانية.

تابع
في رحاب صناعة المحتوى الإعلامي يقود فاتح لشهب، مدير تحرير موقع “الصحفي”، مسيرة العمل برؤية معاصرة؛ فهو يمزج بين الدقة العلمية في البحث وعمق التحليل، ليطرح رؤى متوازنة تتجاوز التبسيط، ويغني النقاش بمضامين تحفّز القارئ على التأمّل والتدقيق في أكثر قضايا عصرنا تعقيدًا.
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً