حاسي بوخلالة..شاهد حي على وحشية الاستعمار الفرنسي في عمق الصحراء الجزائرية

تعد منطقة “حاسي بوخلالة” التابعة لبلدية أولاد عيسى بتيميمون في عمق الصحراء الجزائرية، وصمة عار في السجل الاستعماري الفرنسي، حيث شهدت بين عامي 1957 و1958 سلسلة من الإعدامات الميدانية الوحشية ضد مدنيين عزل. ففي هذا المركز العسكري الذي أنشأه الجنرال “بيجار” على بُعد 120 كلم شمال تيميمون، تحولت الخيام إلى “محاكم ميدانية” لا تعرف سوى لغة التعذيب والقتل، حتى صار اسم المكان مرادفاً للموت؛ فمن يُساق إلى بوخلالة لم يكن يعود حياً أبداً.

لم تكن جرائم فرنسا في حاسي بوخلالة مجرد أحداث عشوائية، بل جاءت كرد فعل انتقامي هستيري من قوات الاحتلال بعد الهزائم المذلة التي تجرعتها في معارك “العرق الغربي الكبير”، مثل معركة “حاسي غامبو” و”حاسي علي”. وأوضح الأمين الولائي للمجاهدين، الزاوي بحوص، أن هذه المعارك أثبتت شمولية الثورة الجزائرية وتلاحم الشعب في المناطق الصحراوية القاسية مع جيش التحرير الوطني، مما أجهض أحلام فرنسا في فصل الجنوب عن الشمال الجزائري وتأمين مشاريعها الاقتصادية.

و يشير شهود العيان والمؤرخون إلى أن مركز الاعتقال الفرنسي استخدم أساليب وحشية ومروعة لترهيب السكان والسيطرة على المنطقة. فقد تحدث الدكتور عبد الرحمان محرزي والمجاهد العيد لمعلم عن إعدامات في “الفيجة الكحلة”، حيث كان يُساق المعتقلون من مختلف الفئات، من تجار وممرضين ومسبلين، إلى هذه المنطقة لتنفيذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص، في مشهد صادم يروي وحشية الاحتلال.

كما لفتوا إلى ما أسموه الموت من الجو، إذ لجأت القوات الفرنسية إلى إلقاء بعض المعتقلين أحياء من الطائرات المروحية، ما شكل أداة ترهيب نفسي وجسدي للسكان. ولم تقتصر الممارسات على القتل المباشر، بل وثقوا حالات تلويث الآبار بجثث الشهداء، وهو إجراء استهدف قطع الإمدادات عن القوافل والبدو الرحل، وإرسال رسالة رعب بالغة القوة تجاه أي مقاومة محتملة. وتظل هذه الممارسات المروعة شاهدة على فظاعة أساليب الاحتلال، كما يؤكدها المؤرخون وشهود العيان على حد سواء، لتكون جزءًا من ذاكرة تاريخية صعبة الحذف.

و استغل الاستعمار الفرنسي موقع منطقة العرق الغربي الكبير كنقطة عبور استراتيجية للقوافل التجارية الرابطة بين الجهة الغربية والجنوب، فقام بقطع هذه الطرق ومصادرة المؤن من تمور وصوف ووبر، تحت ذريعة منع وصولها إلى الثوار، مما حول المنطقة إلى ساحة حرب وتجويع ضد المدنيين المنحدرين من مناطق شتى كبني عباس وورقلة والأبيض سيدي الشيخ.

وفي إطار صون الذاكرة الوطنية، أكد مدير المجاهدين، جمعي بومعراف، أن هذه الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان ستبقى شاهدة على وحشية الاستعمار وتدون في سجلات التاريخ لتستلهم منها الأجيال الصاعدة معاني التضحية. وقد تم هذا العام، ولأول مرة، تسليط الضوء رسمياً على أحداث حاسي بوخلالة تزامناً مع اليوم الوطني للشهيد، تأكيداً على أن دماء الشهداء الـ 24 الموثقين وغيرهم ممن ضاعت آثارهم في رمال الصحراء لن تُنسى.

المصدر: واج

تابع
في رحاب صناعة المحتوى الإعلامي يقود فاتح لشهب، مدير تحرير موقع “الصحفي”، مسيرة العمل برؤية معاصرة؛ فهو يمزج بين الدقة العلمية في البحث وعمق التحليل، ليطرح رؤى متوازنة تتجاوز التبسيط، ويغني النقاش بمضامين تحفّز القارئ على التأمّل والتدقيق في أكثر قضايا عصرنا تعقيدًا.
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً