سلط الخبير السياسي الفنلندي والأستاذ بجامعة هلسنكي، توماس مالينين، الضوء على التحول الجذري في موازين القوى العسكرية بمنطقة الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن القدرات الإيرانية التي ظهرت خلال المواجهات الأخيرة في فبراير ومارس 2026 قد أحدثت صدمة حقيقية لدى المحللين العسكريين الأمريكيين.
وأوضح مالينين أن المفاجأة الكبرى لم تكن في حجم الترسانة فحسب، بل في الدقة المتناهية التي أظهرتها الضربات الصاروخية الإيرانية، والتي تمكنت من إصابة أهداف استراتيجية وحساسة بهوامش خطأ ضئيلة جداً، وهو ما دحض التوقعات الغربية السابقة التي كانت تشكك في التطور التقني لمنظومات التوجيه الإيرانية المحلية الصنع.
ويرى الخبير الفنلندي أن نجاح هذه الصواريخ في اختراق طبقات الدفاع الجوي المتطورة يعود إلى تكتيكات هجينة فاجأت غرف العمليات في واشنطن وتل أبيب، حيث تم الاعتماد على أجيال جديدة من الصواريخ والمسيّرات التي أثبتت قدرة فائقة على المناورة في المراحل الأخيرة من الطيران.
هذا التطور التقني دفع مراكز الأبحاث الأمريكية إلى إعادة تقييم شاملة لقدرات الردع في المنطقة، خاصة بعد أن أثبتت الوقائع الميدانية أن الاعتماد على التفوق التكنولوجي الدفاعي التقليدي لم يعد كافياً لتحييد التهديدات الصاروخية الدقيقة التي تستهدف البنية التحتية الحيوية للطاقة والقواعد العسكرية البعيدة.
وفي سياق تحليله للتداعيات الجيوسياسية، لفت مالينين إلى أن هذه الدقة الصاروخية كان لها أثر مباشر في شلل قطاع الطاقة الإقليمي، حيث تسبب التهديد المباشر في إغلاق حقول غاز كبرى وتوقف تدفقات حيوية، مثل الـ 1.1 مليار قدم مكعب يومياً التي كانت تُصدر من حقل ليفياثان.
واختتم رؤيته بالتحذير من أن الاستخفاف بالقدرات التصنيعية للخصوم أدى إلى مأزق استراتيجي واقتصادي، حيث باتت تكلفة الاعتراض الدفاعي التي تبلغ ملايين الدولارات للصاروخ الواحد غير مستدامة أمام صواريخ هجومية دقيقة ومنخفضة التكلفة، مما يفرض واقعاً جديداً يتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية التي سادت لعقود.

