أطل الصحفي في قناة “فرانس 24″، وسيم نصر، مرة أخرى ومن خلال شاشة القناة الدولية، بدعوة صريحة ومباشرة تطالب السلطات في دولة البنين بفتح قنوات تفاوض مع الجماعات الإرهابية المسلحة. هذه الدعوة، التي غُلفت بظاهر “النصيحة الأمنية”، تحمل في طياتها أبعاداً مشبوهة تهدف إلى شرعنة الإرهاب وكسر هيبة الدولة الوطنية.
لقد استند وسيم نصر في طرحه المستفز إلى منطق “الأمر الواقع”، زاعماً أن الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل وبنين لم تعد مجرد خلايا إجرامية، بل أصبحت “فاعلاً سياسياً وعسكرياً متجذراً” يجب القبول به والتحاور معه لخفض حدة التوتر. إن هذا الترويج لفكرة أن “القوة تمنح الشرعية” هو طعنة في خاصرة القانون الدولي وسيادة الدول، وتحريض علني لكل من يحمل السلاح بأن الطريق نحو الاعتراف والجلوس على طاولات الحوار يمر عبر ترويع الآمنين وقتل الجنود.
تكمن خطورة طرح وسيم نصر في عبارته التي ختم بها مقطعه : “نحن لا نتفاوض مع شخص يمكننا سحقه”. هذه الجملة ليست مجرد تحليل صحفي، بل هي دعوة استسلام واضحة، ورسالة إحباط موجهة للجيوش النظامية وللشعوب التي تقاوم التطرف. إنها محاولة لترسيخ فكرة أن الإرهاب “قدر لا يمكن هزيمته”، وأن الحل الوحيد هو الخضوع لشروطه، وهو تكتيك نفسيّ يُستخدم عادة لإضعاف الروح المعنوية للدول وتبرير الفشل الأجنبي في إدارة ملفات الأمن بالمنطقة.
علاوة على ذلك، فإن خروج هذه الدعوة المشبوهة من منبر إعلامي فرنسي رسمي في توقيت يتقلص فيه النفوذ الفرنسي في أفريقيا، يثير تساؤلات حول الأجندات الخفية. هل هي محاولة لإغراق دول المنطقة في دوامة “اتفاقيات هشة” تمنح الإرهابيين “هدنة محارب” لإعادة تنظيم صفوفهم؟ إن التاريخ القريب في مالي وبوركينا فاسو أثبت أن كل حوار مع هذه الجماعات لم يقد إلا إلى المزيد من الدمار والتوسع الإرهابي.
إن حصر خيارات الدول بين “التفاوض أو الموت” هو تزييف للحقائق؛ فالإرهاب لا يُهزم بطاولات الحوار التي تجمّل وجه القبح وتمنح القتلة صك غفران، بل يُهزم بالإرادة الوطنية ودعم المؤسسات العسكرية وتجفيف منابع التمويل.
و يواجه الوضع الأمني في بنين حالياً تحديات مزدوجة تتراوح بين التهديدات الإرهابية المتصاعدة في الشمال والتوتر السياسي في المدن الكبرى؛ حيث تشهد المناطق الحدودية المحاذية لبوركينا فاسو والنيجر نشاطاً مكثفاً للجماعات المسلحة المرتبطة بالقاعدة وداعش، مما أدى إلى وقوع اشتباكات عنيفة مع الجيش البنيني في محميات “بندجاري” و”W” الوطنية، ونتج عنها فرض تدابير أمنية مشددة وتقييد لحركة التنقل في تلك الأقاليم لتأمين القرى والمنشآت الحيوية.
على الصعيد الداخلي، تعيش البلاد حالة من الاستنفار الأمني والترقب السياسي مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في أفريل 2026، خاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في أواخر عام 2025؛ إذ عززت السلطات من تواجد القوات الأمنية في العاصمة “كوتونو” والمراكز الحضرية الرئيسية تحسباً لأي اضطرابات أو احتجاجات من قِبل المعارضة، وسط دعوات دولية للحفاظ على الاستقرار وتجنب التصعيد الميداني في هذه المرحلة الحساسة.

