الزوايا في الجزائر.. حصن الهوية الدينية عبر العصور

قدّم الأستاذ الدكتور محمد تاج الدين طيبي قراءة علمية معمّقة لأسس المرجعية الدينية في الجزائر، مبرزًا دورها في تشكيل الهوية الروحية والوطنية، خاصة في ظل التحولات الفكرية التي عرفتها المنطقة عبر التاريخ.

تقوم هذه المرجعية، وفق محاضرةبالزاوية البلقائدية، على ثلاث ركائز مركزية: العقيدة الأشعرية في باب الاعتقاد، والمذهب المالكي في الفقه، إلى جانب التصوف السني الجنيدي في السلوك الروحي. ويُنظر إلى هذا الثلاثي بوصفه الإطار الذي حافظ على توازن التدين في المجتمع الجزائري عبر القرون.

وتوقف الدكتور محمد تاج الدين طيبي عند المحن التاريخية التي واجهت هذا البناء، خصوصًا تلك التي استهدفت المذهب المالكي في بلاد المغرب، مثل ضغوط التيارات المخالفة، وفترة الدولة العبيدية، ثم مرحلة دولة الموحدين التي سعت إلى تجاوز المذاهب الفقهية التقليدية والاعتماد على ظاهر النص.

وفي مقاربة توسعية، اقترح الدكتور إضافة بُعدين مكملين لهذه المرجعية: أولهما ترسيخ محبة آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وثانيهما استحضار الذاكرة الجهادية الوطنية، بما تحمله من رمزية في الوعي الجمعي الجزائري.

أما الزوايا، فقد وصفها بأنها “خط الدفاع الثقافي والروحي” الذي حافظ على هذه الثوابت، مستشهدًا بنماذج بارزة مثل زاوية الشيخ إبراهيم التازي التي خرّجت علماء بارزين من بينهم الإمام السنوسي، وكذا زاوية الشيخ يحيى العيدلي التي كانت مقصدًا لعلماء كبار مثل الإمام زروق.

كما أشار إلى أن امتداد هذا الدور لم يتوقف عند الماضي، بل تجدد في العصر الحديث من خلال جهود جمعية علماء المسلمين الجزائريين التي تأسست سنة 1932، في سياق مواجهة التيارات الفكرية الوافدة والدفاع عن المرجعية الدينية الوطنية.

في المحصلة، يبرز هذا الطرح أن المرجعية الدينية في الجزائر ليست مجرد إطار فقهي أو عقدي، بل منظومة متكاملة تشكّلت عبر التاريخ، وساهمت الزوايا في ترسيخها… لتبقى، إلى اليوم، أحد أعمدة التوازن الروحي والهوية الجماعية.

تابع
في رحاب صناعة المحتوى الإعلامي يقود فاتح لشهب، مدير تحرير موقع “الصحفي”، مسيرة العمل برؤية معاصرة؛ فهو يمزج بين الدقة العلمية في البحث وعمق التحليل، ليطرح رؤى متوازنة تتجاوز التبسيط، ويغني النقاش بمضامين تحفّز القارئ على التأمّل والتدقيق في أكثر قضايا عصرنا تعقيدًا.
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً