في قراءة تكسر القوالب التقليدية للعلاقات الأورومتوسطية، عبّر البروفيسور الفرنسي الشهير ديدييه راؤول عن رؤية استراتيجية متفائلة لمستقبل الجزائر، معتبراً إياها قوة صاعدة تمتلك “مفاتيح المستقبل” بفضل تفوقها الديموغرافي ومواردها الطبيعية، في مقابل تراجع قوى اقتصادية كبرى تعاني من أزمات وجودية.
و استحضر راؤول في حديثه بُعداً تاريخياً وجغرافياً لافتاً، مشيراً إلى أن مدينة “عنابة” (هيبونا التاريخية) أقرب وجدانياً وجغرافياً إلى مدينة مارسيليا من العاصمة الفرنسية باريس. هذا الرابط لم يكن مجرد استحضار للماضي، بل جسراً لتفسير عمق التفاهم الإنساني والمهني الذي يجمعه بالجزائريين، مؤكداً أنه يجد أرضية مشتركة مع الكفاءات الجزائرية تفوق تلك التي يجدها في الأوساط الباريسية.
و على الصعيد العلمي، كشف راؤول عن تجربة مهنية ممتدة شملت تدريب واستضافة نحو 150 باحثاً وطبيباً جزائرياً في معهده بمارسيليا. ووصف راؤول هؤلاء الباحثين بأنهم “الأكثر ذكاءً واجتهاداً وتنافسية”، مشيداً بشكل خاص بالمرأة الجزائرية في ميدان البحث العلمي، والتي أثبتت جدارة استثنائية بعيداً عن الصور النمطية التي يحاول البعض الترويج لها. وأشار إلى أن التعاون العلمي مع الجزائر ليس مجرد مشاريع عابرة، بل هو استثمار في عقول عادت لتبني مختبرات بحثية رائدة داخل الجزائر.
في مقارنة جريئة، وضع البروفيسور راؤول ثقله خلف الجزائر عند المقارنة بدول متقدمة كاليابان وكوريا الجنوبية. واستند في تحليله إلى “العامل الديموغرافي”، موضحاً أن الجزائر بلد شاب يمتلك طاقة بشرية هائلة وموارد طبيعية متنوعة، بينما تواجه القوى الآسيوية خطر “الاندثار السكاني” بسبب الشيخوخة المفرطة ونقص الخصوبة، مما سيجعلها عاجزة عن الحفاظ على زخمها الاقتصادي في العقود القادمة.
و تأتي تصريحات راؤول لتسلط الضوء على “القوة الناعمة” للجزائر المتمثلة في نخبها العلمية، وتضع النقاش حول التنمية في سياق جديد يربط بين حيوية المجتمع والقدرة على المنافسة الدولية. ومع استمرار التعاون البحثي بين ضفتي المتوسط، يبدو أن الرهان الذي وضعه أحد أشهر علماء الفيروسات في العالم يعكس تحولاً في نظرة النخب العلمية الغربية تجاه الإمكانات الحقيقية التي يمتلكها الجنوب، والجزائر تحديداً، كقطب نمو مستقبلي لا يمكن تجاهله.

