كيف حطمت “سجدة البابا” في الجزائر سرديات باريس والرباط ؟

لم تكن زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر مجرد حدث بروتوكولي أو “سياحة روحية” عابرة، بل تحولت إلى زلزال سياسي صامت ضرب أركان الدوائر التي اعتادت صياغة “سرديات جاهزة” عن الجزائر. في باريس كما في الرباط، ساد صمت مطبق مشوب بالإحباط، بعد أن تكسرت أمواج الحملات الإعلامية الممنهجة أمام صخرة المشهد المهيب في “عنابة” والعاصمة.

لسنوات، عملت مخابر الدعاية في الجوار وعلى الضفة الأخرى من المتوسط على تسويق صورة نمطية للجزائر كبلد “منغلق” أو “متصلب”. لكن وقوف رأس الكنيسة الكاثوليكية على أرض الجزائر، وتصريحاته التي غاصت في العمق التاريخي والروحي للبلاد، أعادت ضبط الساعة الدبلوماسية الدولية.

إن “السجدة” الرمزية للبابا فوق أرض القديس أغسطينوس لم تكن تكريماً للتاريخ فحسب، بل كانت اعترافاً صريحاً بنضج الدولة الجزائرية وقدرتها على احتضان التعددية الكونية دون التنازل عن ثوابتها السيادية.

لقد مثلت هذه الزيارة، في توقيتها ومضمونها، “لقاحاً سيادياً” فعّالاً ضد خطاب الكراهية والتحريض الذي تحاول الأطراف المعادية غرسه في وجدان الرأي العام الدولي والمحلي.

فبينما كان الخصوم يراهنون على إثارة النعرات أو تصوير الجزائر كبيئة طاردة للتعايش، جاء المشهد ليقدّم ترياقاً حقيقياً يبطل مفعول تلك السموم الإعلامية. إنها رسالة مفادها أن المناعة الوطنية الجزائرية ليست عسكرية أو اقتصادية فحسب، بل هي مناعة قيمية وقادرة على دحض السرديات التي تُبنى على التضليل والكراهية.

في باريس، راهنت دوائر معينة على “صدام قيمي” يمكن استغلاله لإعادة إحياء نغمة “الوصاية الثقافية”، بينما في الرباط، نشطت آلة “المخزن” في نشر شائعات “عزلة الجزائر”. لكن الحقيقة الميدانية تبخرت تحت شمس عنابة؛ حيث أدركت هذه الأطراف أن الجزائر لم تعد بحاجة لـ “تأشيرة مرور” من أحد لتخاطب العالم كوجهة عالمية للسلام والتعايش، محطمة بذلك كل محاولات “الشيطنة” التي استمرت لسنوات.

إن المشاهد التاريخية التي رافقت هذا الحدث، من حفاوة الاستقبال إلى وقار الصلاة، لم تكن مجرد صور، بل كانت رسالة ثبات؛ فالجزائر تسير بخطى واثقة نحو تكريس مكانتها كقطب استقرار وحوار. وكما جاء في وصف رئاسة الجمهورية لهذا الزخم الوطني، تبقى الجزائر في وجه المكائد “وَيَا لَوْحَةً في سِجِلِّ الخُلُودِ.. تَمُوجُ بِهَا الصُّوَرُ الحالِمَاتُ”، عصية على الاختزال، صامدة في وجه الرياح، ومستمرة في كتابة تاريخها بمداد السيادة والكرامة.

قلم يتنقل بين ميادين السياسة، الاقتصاد، بحسّ مرهف وعين فاحصة، ساعياً دوماً لفهم عميق وشامل لقضايا الساعة. يمزج بين الدقة في التحليل والقدرة على تحفيز التفكير النقدي، حيث يقدم للقارئ رؤية موضوعية بعيدًا عن التبسيط، ويسعى لإثراء الحوار وتعميق الفهم حول القضايا الأكثر تعقيدًا في عالمنا المعاصر.
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً