تعد ممارسة الجزائر لسيادتها الروحية اليوم امتداداً طبيعياً لتاريخها النضالي، فمن كان يلقبها بـ “مكة الثوار” بالأمس لمكانتها كقبلة لحركات التحرر، يراها اليوم تتحول ببراعة إلى “قبلة لحوار الأديان” ومركز ثقل للدبلوماسية الإنسانية، في تحول لا يعد تخلياً عن المبادئ بقدر ما هو تطوير لأدوات التأثير.
فالجزائر التي احتضنت الثورات ضد الاستعمار، تحتضن اليوم ثورة من نوع آخر ضد التطرف والكراهية، مستندة إلى إرثها التاريخي العميق وشرعيتها الدولية الراسخة. ويتجلى هذا الدور الريادي بوضوح في ختام البابا فرنسيس أمس لجولته الإفريقية التاريخية التي شملت أربع دول هي الجزائر، الكاميرون، جمهورية الكونغو الديمقراطية، وغينيا الاستوائية، وهي الجولة التي وضعت الجزائر في واجهة الأحداث الدولية بصفتها المحطة الأولى والمنطلق لهذه الرحلة الروحية نحو القارة السمراء.
وتتجه الأنظار اليوم نحو الجزائر التي باتت تصيغ فصلاً جديداً من فصول “الدبلوماسية الروحية”، مما يفتح باب التساؤل حول إمكانية تحولها إلى عاصمة لحوار الأديان في العالم، خاصة وأن اختيارها كأول محطة للبابا يعكس رؤية استراتيجية أعمق تتجاوز الأبعاد الدينية الصرفة إلى تكريس الجزائر كأرض للتعايش والانفتاح، واعترافاً دولياً بمكانتها كدولة محورية قادرة على لم شمل الحضارات.
وتستند هذه الطموحات الجزائرية إلى ركائز ميدانية قوية وأوراق رابحة، تتصدرها مبادرة “العيش معاً في سلام” التي بادرت بها الجزائر وتم توثيقها واعتمادها في الأمم المتحدة كليوم عالمي، مما يمنح البلاد مشروعية أخلاقية وسياسية دولية لقيادة مسارات المصالحة والحوار.
يضاف إلى ذلك ورقة “المسار الاوغسطيني” الذي يربط الجزائر بجذور الفكر الإنساني العالمي؛ فإرث القديس أوغستين في سوق أهراس وعنابة يمثل جسراً روحياً وثقافياً يربط ضفتي المتوسط، ويجعل من الجزائر وجهة عالمية تستقطب النخب الفكرية والدينية، وهو ما يجسد التزام الدولة بحماية التراث الإنساني المشترك بعيداً عن الصراعات الطائفية أو الإملاءات الخارجية.
كما أن هذه التحركات تندرج ضمن الإرادة السياسية الصارمة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، والتي تجلت في قرارات رمزية مثل منح الجنسية الجزائرية للكاردينال “جان بول فيسكو”، وتخصيص أموال عمومية لترميم المعالم المسيحية التاريخية،وهو ما يضع الجزائر اليوم في موقع ريادي لتصدير نموذجها الفريد في التسامح لمواجهة خطابات التطرف والكراهية التي يشهدها العالم
ومن خلال دمج “الشرعية الدولية” المتمثلة في مواثيق الأمم المتحدة مع “العمق التاريخي” للمسار الأوغسطيني، تقدم الجزائر اليوم للعالم “دبلوماسية ناعمة” تؤكد أن القوة تكمن في جعل الاختلاف مصدراً للاستقرار والتعاون القاري، مما يعزز فرص نيلها لقب عاصمة حوار الأديان بامتياز في ظل عالم يبحث عن نقاط التقاء تنهي صراع الحضارات المفتعل.

