لطالما كان ملف “العلاقة مع إفريقيا” حلبة لصراع السرديات بين الجزائر ودوائر إعلامية غربية دأبت، لسنوات، على استغلال قضايا تقنية عابرة—مثل تدفقات الهجرة—لصناعة خطاب كراهية ممنهج، يهدف إلى وصم الدولة الجزائرية بـ “العنصرية” وعزلها عن عمقها الاستراتيجي. إلا أن ما كشف عنه وزير المالية، عبد الكريم بوالزرد، مؤخراً أمام المحفل الأممي حول مسح ديون بقيمة 1.5 مليار دولار لفائدة 14 دولة إفريقية، لم يكن مجرد إجراء مالي، بل كان “فعل إيمان” دبلوماسي أجهض خطاب الكراهية في مهده.
تعتمد البروباغندا التي تستهدف الجزائر على آلية “الاجتزاء”؛ فهي تسلط الضوء على الإجراءات القانونية لتنظيم الحدود لتصويرها كخطاب كراهية، بينما تغض الطرف عن حقيقة أن الجزائر هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمنح “أقساطاً من سيادتها المالية” لدعم استقرار جيرانها.
إن مسح مليار ونصف مليار دولار من الديون، بالتوازي مع تخصيص مليار دولار أخرى للمشاريع التنموية عبر الوكالة الجزائرية للتعاون الدولي، هو الرد العملي الأقوى على محاولات “الوصم بالعنصرية”؛ فالشعوب الإفريقية باتت تدرك أن من يمسح ديونها ويشاركها رغيف التنمية لا يمكن أن يكون معادياً لهويتها أو وجودها.
إن أخطر أنواع الكراهية هي تلك التي تتغذى على الفوارق الطبقية والمديونية الخانقة التي فرضها النظام المالي العالمي “النيوكولونيالي”. وهنا تبرز المقاربة الجزائرية كنموذج فريد في محاربة خطاب العنصرية من جذوره؛ فالجزائر لا تقدم دروساً في الأخلاق للعواصم الغربية، بل تقدم بدائل اقتصادية تمنح المواطن الإفريقي كرامته في أرضه. بوالزرد، ومن خلفه الدبلوماسية الجزائرية في نيويورك، وضعوا المجتمع الدولي أمام مرآة الحقيقة: “كيف يمكن اتهام دولة بالعنصرية وهي التي تضحي بمواردها لضمان حق الأفارقة في التنمية والعيش الكريم؟”.
لقد نجحت الجزائر في تحويل ملف الديون من عبء تقني إلى “درع دبلوماسي” يحصن سمعتها الدولية. فبهذا الكشف الرسمي، لم تعد محاولات الإعلام الغربي لترويج خطاب الكراهية تجد صدىً في العواصم الإفريقية التي رأت في الجزائر “الظهير الصادق”. إن هذه الخطوة تفرض اليوم على النخب الإعلامية والحقوقية إعادة قراءة التزام الجزائر القاري، بعيداً عن نظارات “المركزية الغربية” التي تحاول دوماً شيطنة القوى الصاعدة في الجنوب لضمان استمرار هيمنتها.
إن محاربة العنصرية وخطاب الكراهية في القارة السمراء لا تمر عبر الندوات المنمقة في باريس أو بروكسل، بل عبر “دبلوماسية الأفعال” التي تقودها الجزائر؛ حيث يتحدث الدينار والقرار السيادي بلغة التضامن التي لا تفهمها أجندات التشويه. الجزائر اليوم، بلسان وزير ماليتها، لا تمسح الديون فحسب، بل تمسح سنوات من التضليل الإعلامي الذي حاول يائساً فصل الجسد عن روحه الإفريقية.

