في علم الاجتماع العمراني، لا تُهدم المباني لمجرد أنها قديمة، بل تُهدم لتُهدم معها “الفكرة” التي تمثلها. ما يشهده المغرب في أفريل 2026، من هدم لمسجد “باب مراكش” ذي الطابع الموريسكي الأصيل، تزامناً مع استباحة أسوار “باب دكالة” بمراكش لطقوس صهيونية غريبة، وتقارير عن انتزاع أراضٍ من مواطنين لصالح شخصيات مشبوهة، لا يمكن قراءته إلا كبداية لمخطط “استيطان هوياتي جديد”. هذا المخطط لا يحتاج إلى دبابات، بل يبدأ بـ “طمس الهوية” لإخلاء المكان والوعي معاً، تمهيداً لعملية “إحلال” شاملة.
يبدأ مخطط الاستبدال دائماً بما يسمى “التنميط البصري”. فعندما يتم هدم مسجد أثري يحمل “الطابع العربي الموريسكي” – الذي يعد البصمة الوراثية للمغرب العربي – فإنه يتم عملياً نزع سلاح التاريخ من المكان. هذا الطراز المعماري، بأقواسه وتفاصيله الأندلسية، ليس مجرد زينة، بل هو “شاهد إثبات” بصري على عروبة وإسلامية هذه الأرض وعمقها المغاربي. استبدال هذه المعالم بفراغات أو “مكعبات إسمنتية” جافة يهدف لخلق فراغ هوياتي، ليصبح المواطن غريباً في حيه الذي لم يعد يشبهه، مما يسهل عملية ملء هذا الفراغ بروايات مستوردة.
استهداف المساجد التاريخية تحت ذريعة “الهشاشة” أو “خطر الانهيار” ليس مجرد قرار بلدي عابر، بل هو ضرب للرمزية الدينية التي تشكل جدار الصد الأخير للهوية. عندما يغيب المسجد الذي يذكر بالفتح وبالأندلس، ينشأ فراغ روحي وبصري. في المقابل، نلاحظ مفارقة عجيبة تسمى “التهويد المعماري”؛ حيث تُرمم الملاحات والبيع اليهودية بأدق التفاصيل التاريخية وبميزانيات ضخمة، بينما تُهدم المساجد الموريسكية وتُسوى بالأرض، في محاولة واضحة لترجيح كفة بصرية على أخرى.
تأتي واقعة “باب دكالة” بمراكش لتكمل الصورة؛ فأداء طقوس صهيونية في الفضاءات الأثرية العامة ليس ممارسة دينية بريئة، بل هو “وضع يد بصري” ورسالة مفادها: “نحن هنا”. الهدف هو “شرعنة الدخيل” عبر تقديم الطقوس الغريبة كجزء من “تعددية” مصطنعة تبتلع الأصالة وتاريخ المكان. إنهم يبحثون عن “شرعية الحجر”؛ فبعد هدم المسجد الأصيل، يُراد للسور الأثري أن يصبح خلفية لرواية “تاريخ مصطنع” يحل محل التاريخ المهدم.
لا يتوقف المخطط عند حدود الرموز، بل يمتد ليمس “الأرض” مباشرة. تشير تقارير إعلامية وحقوقية متواترة هذا الشهر إلى حوادث مشبوهة لانتزاع أراضٍ من مغاربة في مناطق استراتيجية وترحيلهم قسرياً تحت مسميات “إعادة الهيكلة”. المريب في الأمر هو انتقال ملكية هذه الأراضي لشخصيات مشبوهة وشركات مجهولة التوجه، مما يوحي بأن عملية “الإخلاء” ليست لتطوير المدينة، بل هي عملية “إحلال” سكاني وطبقي تخدم أجندات الاستبدال الهوياتي.

