يبدو أن الروائي بوعلام صنصال، الذي أمضى سنواته الأخيرة وهو يوزع “شهادات الوفاة” على التاريخ والجغرافيا في شمال إفريقيا، قد اكتشف فجأة أن صكوك الغفران التي منحتها له الصالونات الأدبية في باريس قد انتهت صلاحيتها.
فبعد أن استقوى لسنوات بـ “الجنسية الفرنسية” كدرع قانوني ومنصة للقصف السياسي العابر للحدود، يجد نفسه اليوم يحزم حقائبه نحو بلجيكا، في رحلة تبدو في ظاهرها بحثاً عن “حرية النشر” وفي باطنها بحثاً عن “ملاذ جديد” بعد أن أصبحت رائحة طروحاته تزعج حتى أنوف الناشرين في فرنسا “غاليمار”.
المفارقة الساخرة تكمن في أن صنصال، الذي ظن أن “الورقة الفرنسية” هي أبدية ولا تُمس، اكتشف متأخراً أن باريس—التي يغازلها منذ عقود—هي “عشيقة غدارة” لا تتردد في التخلص من أدواتها القديمة بمجرد أن يتحول “الضجيج الثقافي” إلى “صداع ديبلوماسي”.
واليوم، يتساءل المتابعون بكثير من التهكم: هل ستقدم بلجيكا لصنصال ما عجزت فرنسا عن حمايته؟ وهل سيطلب “اللاجئ الأدبي” الجديد الجنسية البلجيكية لعلها تكون أكثر “سماكة” من شقيقتها الفرنسية في مواجهة رياح النبذ التي تلاحقه؟
إن لجوء صنصال إلى بروكسل يحمل رائحة “سخرية القدر” في أبهى تجلياتها؛ فالرجل الذي نصب نفسه قاضياً على الهويات الوطنية، يجد نفسه اليوم “تائهاً هواتياً” يبحث عن عاصمة تقبل بتبني رواياته التي تحولت من أدب عالمي إلى “منشورات صدامية” تفتقر حتى لجماليات اللغة.
فإذا كانت فرنسا، بأمومتها الثقافية المزعومة، قد بدأت “تتخلص” منه بنعومة، فما الذي يدفع بلجيكا لتعليق وسام المواطنة على صدر كاتب يحمل معه حقيبة مليئة بالعداوات المجانية والمغالطات التاريخية؟
الحقيقة التي يهرب منها صاحب “قرية الألماني” هي أن الأزمة ليست في “لون جواز السفر”، بل في “خسارة البوصلة”؛ فالجنسية، مهما كان مصدرها، لا تمنح الكاتب شرعية إذا فقدها بين أبناء جلدته، والهروب من باريس إلى بروكسل ليس إلا “هروباً إلى الأمام”. فهل ستمنحه بلجيكا الجنسية؟ ربما، لكنها بالتأكيد لن تمنحه “الجمهور” الذي فقده، ولا “الاحترام” الذي أهدره على عتبات الاستقواء بالأجنبي ضد الوطن.
يبدو أن صنصال بصدد كتابة روايته الأخيرة، لكنها هذه المرة ليست من نسج الخيال، بل هي واقع كاتب أضاع “البيت” في الجزائر، و”المكانة” في فرنسا، ولم يتبقَّ له سوى “الشوكولا البلجيكية” ليحلي بها مرارة الخيبات.

