بين ثنايا الرمال المتحركة في الجنوب الغربي الجزائري، حيث تصهر الشمسُ معادنَ الرجال قبل صخور الأرض، انبعثت أسطورة “جنرال” من طراز فريد؛ رجلٌ لم تمنحه الأكاديميات العسكرية رتباً، ولم تزدن كتفاه بنياشين القادة، لكنه أدار من “مغرار التحتاني” أطول معارك الكفاح ضد أعتى قوة استعمارية في ذلك العصر. إنه الشيخ بوعمامة، القائد الذي استبدل البذلة العسكرية ببرنس الزهد، وحوّل السبحة إلى بوصلة للمقاومين، والبندقية إلى لسان فصيح يذود عن حياض الوطن.
لم تكن مقاومة بوعمامة ضد المستعمر الفرنسي مجرد صدام عسكري عابر، بل كانت مشروعاً فكرياً وتحررياً متكاملاً؛ إذ استطاع هذا الشيخ الوقور أن يزاوج بين الروحانية العميقة لزاويته وبين العبقرية الاستراتيجية في ميادين القتال. على مدار ربع قرن، ظل “الجنرال الزاهد” ينسج خيوط الصمود بين القبائل، محولاً الجنوب الغربي إلى حصن استعصى على الاختراق، ليثبت للعالم أن الإرادة الشعبية حين تتسلح بالإيمان والوعي، تصبح أقوى من المدافع، وأبقى من جيوش الاحتلال التي تكسرت نبالها عند أسوار قلعته الحصينة.
وتُعد المقاومة الشعبية التي قادها الشيخ بوعمامة واحدة من أبرز وأطول المحطات في تاريخ الكفاح الوطني، حيث انطلقت شرارتها الأولى في مثل هذه الأيام (أواخر أبريل 1881) واستمرت قرابة 23 سنة من الصمود، مما ساهم في عرقلة الأطماع الاستعمارية وتأخير تغلغلها في عمق الصحراء الجزائرية لأزيد من ربع قرن.
وفي هذا السياق، يرى الباحث في تاريخ الجزائر بجامعة النعامة، الأستاذ رميثة عبد الغني، أن هذه المقاومة التي قادها الشيخ محمد بن العربي تميزت بقدرة تنظيمية فائقة؛ حيث نجح القائد المنحدر من منطقة “مغرار التحتاني” في توحيد عدة قبائل تحت لواء قوة عسكرية شبه نظامية اعتمدت خططاً قتالية مدروسة، مكنتها من إلحاق خسائر جسيمة بجيوش الاحتلال وتكبيدها هزائم نكراء في عدة معارك فاصلة.
من جانبه، أبرز الباحث بن حمو محمد، من جامعة تلمسان، أن القوة الحقيقية لهذه المقاومة تجسدت في عبقرية الشيخ بوعمامة الاستراتيجية، حيث حوّل زاويته الدينية بمغرار التحتاني إلى قلعة حصينة أحيطت بـ32 برجاً، وزودها بتنظيم داخلي متطور شمل ورشاً لصناعة الذخيرة ونظاماً دقيقاً للحراسة يعتمد على ساعة شمسية، مما جعل من الزاوية مركزاً روحياً وعسكرياً في آن واحد لنشر العلم وإحياء الطريقة الشيخية.
وقد سجل التاريخ أولى المواجهات الكبرى لهذه المقاومة في معركة “تازينة” يوم 27 أبريل 1881، لتتوالى بعدها انتصارات المقاومين في معارك “تاغيت”، و”الشلالة”، و”جنان الدار”، و”شط تقري”؛ وهي المحطات التي وثقها المؤرخ روشام عيسى كأبرز جبهات التصدي للاحتلال الفرنسي في الجنوب الغربي. وتظل شخصية الشيخ بوعمامة رمزاً للصمود الذي زاوج بين الفكر الروحي والبندقية، تاركاً إرثاً نضالياً يجسد إصرار الجزائريين على حماية سيادتهم الوطنية.
المصدر: واج + الصحفي

