في صحراء.. حين تصبح العدسة طريقاً نحو الأرض

في قلب ولاية أوسرد وبين طيات مخيمات اللاجئين الصحراويين، انبعث بريق الفن السابع ليعلن عن افتتاح الطبعة التاسعة عشرة للمهرجان الدولي للسينما “في صحراء”، مدشناً رحلة سينمائية طموحة تتجاوز حدود الشاشة وشروطها التقليدية لتستقر في عمق المعاناة والإصرار الشعبي.

مهرجان “في صحراء” الثقافي الفريد الذي انطلق تحت شعار “ماضون نحو أرضنا”، لم يعد مجرد تظاهرة لعرض الأفلام، بل تحول إلى منصة عالمية تعكس تمسك الشعب الصحراوي بإيصال صوته عبر الصورة والكلمة، وسط حضور رسمي رفيع المستوى تقدمه رئيس الجمهورية الصحراوية والأمين العام لجبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، إلى جانب الوزير الأول وأعضاء من الحكومة.

و تكتسي هذه الدورة حلة عالمية استثنائية، حيث نجحت في استقطاب أكثر من 288 مشاركاً جاؤوا من 24 جنسية مختلفة، ليشكلوا في عمق الصحراء فسيفساء إنسانية تضامنية تستمر فعالياتها حتى مطلع شهر مايو. وتتشابك في أروقة المهرجان عروض سينمائية أبدعها مخرجون صحراويون وأجانب مع ورشات تدريبية مكثفة وندوات فكرية، تتحول فيها لغة الحقوق إلى نقاشات فنية مفتوحة تشرح واقع حقوق الإنسان ومستقبل الهوية عبر الفن السابع.

ويأتي هذا الحراك السينمائي متزامناً مع المهرجان الجهوي للثقافة والفنون الشعبية، حيث تفتح المعارض الفنية أبوابها لتروي قصصاً بصرية موازية، في مشهد متكامل تسعى من خلاله اللجنة المنظمة إلى جعل الفن أداة حقيقية للمقاومة الثقافية.

إن ما يميز مهرجان “في صحراء” كونه الحدث السينمائي الوحيد في العالم الذي يُقام داخل مخيمات للاجئين، وهي التجربة التي بدأت في عام 2003 كشراكة بين سينمائيين إسبان والشعب الصحراوي لكسر الحصار الإعلامي المفروض على القضية. ومنذ ذلك الحين، نجح المهرجان في ترسيخ جذوره عبر تأسيس مدرسة “عابدين قايد صالح” السينمائية الدائمة، التي تهدف إلى تمكين جيل جديد من المخرجين والتقنيين الصحراويين من أدوات الإنتاج المحلي طوال العام.

ولا تتوقف جوائز المهرجان عند الأبعاد الرمزية، بل تمنح جائزة “الجمل الأبيض” دلالة اجتماعية عميقة، حيث يتم التبرع بالجمل الحقيقي للعائلات اللاجئة كبادرة تكافلية. ومع امتداد إشعاع المهرجان إلى مدن عالمية مثل فلورنسا الإيطالية، يبقى الرهان منصباً على تحويل كل عرض سينمائي إلى رسالة دولية تذكر العالم بحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.

تابع
في رحاب صناعة المحتوى الإعلامي يقود فاتح لشهب، مدير تحرير موقع “الصحفي”، مسيرة العمل برؤية معاصرة؛ فهو يمزج بين الدقة العلمية في البحث وعمق التحليل، ليطرح رؤى متوازنة تتجاوز التبسيط، ويغني النقاش بمضامين تحفّز القارئ على التأمّل والتدقيق في أكثر قضايا عصرنا تعقيدًا.
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً