مع اقتراب موعد الرئاسيات الفرنسية لعام 2027، عاد “الملف الجزائري” ليتصدر المشهد السياسي في باريس كأحد أكثر القضايا حساسية وتأثيراً في استقطاب الأصوات. وبينما يميل اليمين واليمين المتطرف إلى استخدام ورقة الهجرة والتأشيرات للضغط، يبرز صوت زعيم “فرنسا الأبية”، جان لوك ميلونشون، كتيار مضاد يدعو إلى التهدئة وتغليب الروابط التاريخية والإنسانية، رافضاً بشكل قاطع لغة التصعيد أو المواجهة الدبلوماسية مع الجزائر.
وفي تصريحات حديثة لافتة، وجه ميلونشون رسالة حازمة لخصوم الجزائر في الداخل الفرنسي عبر خطاب اتسم بنبرة عاطفية وعقلانية في آن واحد، حيث أكد بوضوح أن فرنسا لا تريد الحرب مع الجزائر، مشدداً على أن الجزائريين هم إخوة وأخوات وأصدقاء، ومشيراً إلى الروابط العائلية العميقة التي تجمع الشعبين والتي تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.
وقد انتقد ميلونشون بشدة لجوء بعض الأطراف إلى مصطلحات الصدام مثل “الرد” أو “المواجهة”، معتبراً أن الجوهر الحقيقي للدبلوماسية يكمن في فتح قنوات الحوار وليس في تبادل التهديدات. كما هاجم النخب والمسؤولين الذين يمارسون الألعاب السياسية بدلاً من التفاهم، داعياً إلى الكف عن استخدام “القاموس الهجومي” وتوجيه أصابع الاتهام الرامية لإشعار الناس بالذنب، ومذكراً بأن الحديث هنا يجري عن عائلات ومجتمع مشترك وليس مجرد مناورات بين القوى النافذة.
وقبل عام من انطلاق السباق نحو قصر الإليزيه، بدأت ملامح الحملات الانتخابية للمرشحين المحتملين تتشكل بوضوح، حيث فرضت العلاقات الفرنسية الجزائرية نفسها كبند ثابت ومحوري في الأجندات السياسية. وبينما تشهد الساحة تجاذبات حادة بين تيارات تسعى لتصعيد الخطاب القومي، يبرز تيار اليسار الراديكالي بقيادة ميلونشون بتبنيه مقاربة هادئة ترفض الانجرار وراء منطق الصدام وتدعو إلى بناء جسور التواصل على أسس إنسانية.
وفي الختام، لقد فرض الملف الجزائري نفسه بقوة على “المطبخ الداخلي الفرنسي” وتوازناته الانتخابية الحالية، مؤكداً من جديد أن الجزائر لطالما كانت فاعلاً أساسياً في التحولات الكبرى للسياسة الفرنسية؛ فمثلما تسببت القضية الجزائرية في قلب نظام الجمهورية الرابعة عام 1958 والتحول نحو الجمهورية الخامسة، يبدو أن حدة الاستقطاب الراهنة حول هذا الملف تطرح تساؤلاً جوهرياً حول مستقبل النظام السياسي الفرنسي برؤيته الحالية، فهل نحن اليوم على أعتاب مخاض سياسي جديد قد يقود فرنسا نحو جمهوريتها السادسة ؟

