تتجه الجزائر في مرحلة راهنة نحو إعادة صياغة ذاكرتها الحضارية من خلال استعادة المسار الأوغسطيني كجزء أصيل من الشخصية الوطنية، وهو توجه يتجاوز في أبعاده مجرد الاحتفاء التاريخي بالقديس أوغسطين ليصل إلى تأسيس رؤية ثقافية قائمة على “السيادة المعرفية”.
إن السعي لإنشاء “مركز مادور للثقافة والفكر” في ولاية سوق أهراس يمثل حجر الزاوية في هذه الاستراتيجية، حيث يتم استحضار مدينة مداوروش التاريخية كمنارة جامعية عريقة لم تكتفِ بتخريج الفلاسفة فحسب، بل كانت حاضنة للنبوغ الإنساني الذي ربط ضفتي المتوسط بوشائج فكرية لم تنقطع.
ويبرز فكر أوغسطين في هذا السياق كـ “تجلٍ جزائري” خالص، يعيد الاعتبار للجغرافيا الإفريقية التي شكلت وعيه الوجودي وفلسفته العميقة، وهو ما يفسر الاهتمام الرسمي بإخراج هذا الإرث من دائرة الدراسات النخبوية أو التوظيف الكنسي الضيق إلى رحاب الهوية الثقافية الشاملة.
إن ربط هذا المسار بالمنظومة التعليمية وتشجيع دراسة اللغات القديمة كاللاتينية والإغريقية يعكس رغبة في خلق قطيعة مع التبعية الفكرية التي فرضتها القراءات الغربية لأوغسطين، والذهاب بدلاً من ذلك نحو قراءة وطنية نقدية تستنطق النصوص الأصلية وتربطها بمحيطها المحلي العربي والأمازيغي والإفريقي.
ويتجلى البعد الجيوسياسي لهذه الخطوة في تكريس مكانة الجزائر كملتقى دولي للحوار الحضاري، حيث يساهم بعث “المسار الأوغسطيني” في تحويل الموروث التاريخي إلى قوة ناعمة تخاطب العالم بلغة القيم الإنسانية المشتركة.
ومن هذا المنطلق، فإن تحويل “القلق الوجودي” الذي ميز سيرة هذا الفيلسوف إلى منارة أمل وسلام ليس مجرد شعار، بل هو محاولة جادة لبناء جسور تواصل معرفي تضع الجزائر في قلب النقاش الفلسفي المعاصر، معتمدة في ذلك على عمقها التاريخي الذي يمتد من “مادور” إلى كبريات المحافل الدولية.
إن الرهان اليوم على مركز بحثي متخصص ومختبرات علمية لتعميق الدراسات الأوغسطينية هو في حقيقته استثمار في الذاكرة الحضارية، يهدف إلى تمكين الأجيال الجديدة من فهم جذورها المعرفية بعيداً عن التشويه أو الانتقائية.
هذا التوجه الذي يحظى برعاية مؤسساتية عليا، يؤكد أن استعادة أوغسطين وأبوليوس وغيرهم من رموز الفكر القديم في الجزائر هو فعل استراتيجي يرمي إلى تحصين الهوية الوطنية وفتح آفاق جديدة للبحث الأكاديمي، بما يضمن بقاء الجزائر محوراً مركزياً في صياغة الفكر المتوسطي والإنساني في عصر العولمة.

