تطرق تقرير لوكالة رويترز للأزمة المالية الخانقة التي تواجهها منظمة الأمم المتحدة في معقلها التاريخي بجنيف، مسلطاً الضوء على تحول جذري قد يعيد صياغة مفهوم العمل الدبلوماسي المتعدد الأطراف.
فالمبنى الذي شهد ولادة وموت “عصبة الأمم” قديماً، يستعد اليوم ليشهد رحيل خلفائها، حيث تضطر الوكالات الدولية لإخلاء مكاتبها الشهيرة نتيجة نقص التمويل وتراجع الدعم الأمريكي، وهو ما يراه مراقبون مؤشراً على تآكل النظام العالمي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية.
وتشير البيانات الصادمة التي أوردها التقرير إلى إلغاء أو نقل أكثر من 3000 وظيفة دولية من جنيف إلى مواقع بديلة أقل تكلفة منذ عام 2025، شملت نحو خمس القوة العاملة في المنظمة الأممية بالمدينة السويسرية.
ولم تنجُ من هذه الإجراءات التقشفية كبرى الهيئات؛ إذ اضطرت مفوضية حقوق الإنسان لإخلاء “قصر ولسون” التاريخي، بينما قلصت منظمة العمل الدولية والمنظمة الدولية للهجرة مساحات عملهما وعدد موظفيهما بشكل حاد، في محاولة يائسة للتكيف مع واقع مالي يزداد قتامة.
وفي الوقت الذي تواجه فيه وكالات حيوية خطر الإغلاق الكامل، مثل برنامج مكافحة الإيدز، تبرز ملامح نموذج أممي جديد يتسم بالتجزئة والابتعاد عن المركزية السويسرية؛ حيث بدأت دول مثل قطر وكازاخستان ورواندا في المنافسة على استضافة المكاتب الأممية المهجرة.
وبينما يصف البعض هذا التقشف بأنه “تصحيح ضروري” للبيروقراطية المتضخمة والرواتب المرتفعة، يحذر دبلوماسيون من أن إفراغ جنيف من ثقلها الأممي هو في الحقيقة تفكيك لأهم رموز السلام والتعاون الدولي، مما يترك العالم أمام نظام دولي أكثر تشتتاً وأقل قدرة على مواجهة الأزمات العالمية المشتركة.

