يوم الذاكرة…عندما احتفل العالم بـ “الحرية” وذبح الاستعمار “طالبيها” في الجزائر

في اللحظة التي كانت فيها أجراس الكنائس تقرع في أوروبا معلنةً نهاية كابوس الحرب العالمية الثانية وانتصار قيم “الحرية والديمقراطية” على البربرية الاجرامية، كان الشعب الجزائري يخرج بصدور عارية حاملاً لافتات تذّكر الحلفاء بوعودهم في “تقرير المصير”. لم تكن مطالب الجزائريين نشازاً عن اللحظة الدولية، بل كانت استحقاقاً دموياً دفعوا ثمنه في ميادين القتال دفاعاً عن فرنسا نفسها، لكن “مكافأة النصر” جاءت مغمسة بالدم الغادر.

ومن رحم هذه الفجيعة، جاء قرار الرئيس الجزائري في ماي 2020 بترسيم هذا التاريخ “يوماً وطنياً للذاكرة”، في خطوة تتجاوز مجرد التخليد السنوي لتصل إلى أبعاد سيادية وتاريخية عميقة، تهدف إلى الاعتراف الرسمي بواحدة من أبشع المجازر في التاريخ الحديث، وتحصين الرواية الوطنية من محاولات التزييف، معتبرةً الذاكرة ركيزة أساسية في بناء الدولة المعاصرة وملفاً غير قابل للتقادم أو التفاوض.

وبينما كان العالم يوزع ابتسامات الانتصار، كان المستوطنون الفرنسيون، مدعومين بجيشهم، يكتبون بدم الجزائريين في سطيف وقالمة وخراطة فصلاً جديداً من فصول التوحش، في مفارقة مؤلمة كشفت زيف الشعارات.

ففرنسا التي احتفلت بتحررها من الاحتلال الألماني، لم تجد حرجاً في أن تمارس دور “المحتل النازي” ضد شعب طالب بذات الحرية، لتثبت أن “ديمقراطية” القوى الكبرى كانت عرجاء تتوقف حدودها عند ضفاف المتوسط الشمالية.

إن هذا الانفصام العالمي الصارخ هو الذي صنع “المعجزة النوفمبرية” لاحقاً؛ فالجزائريون الذين رأوا العالم يحتفل فوق جثث أبنائهم، أدركوا في ذلك اليوم تحديداً أن شمس الحرية لا تشرق بوعود الحلفاء، بل بلهيب الرصاص، فكانت صدمة 8 ماي هي “المختبر” الذي صهر الوعي الوطني، وحول خيبة الأمل من وعود فرنسا الكاذبة إلى يقين مطلق بأن الاستقلال ليس “منحة” دولية بل هو “انتزاع” ثوري.

اليوم، ونحن نحيي يوم الذاكرة، نستذكر أن انتصار الجزائر لم يبدأ فقط في نوفمبر 1954، بل وُلد من رحم تلك المفارقة التاريخية في ماي 1945؛ عندما قرر الشعب الجزائري أن يكتب تاريخه الخاص بعيداً عن احتفالات العالم الزائفة، مؤكداً أن دماء الـ 45 ألف شهيد كانت هي “الإعلان الحقيقي” لاندلاع الثورة الكبرى، التي لم تتوقف حتى رُفع العلم الوطني خفاقاً فوق جزائر حرة، مستقلة، وسيدة.

قلم يتنقل بين ميادين السياسة، الاقتصاد، بحسّ مرهف وعين فاحصة، ساعياً دوماً لفهم عميق وشامل لقضايا الساعة. يمزج بين الدقة في التحليل والقدرة على تحفيز التفكير النقدي، حيث يقدم للقارئ رؤية موضوعية بعيدًا عن التبسيط، ويسعى لإثراء الحوار وتعميق الفهم حول القضايا الأكثر تعقيدًا في عالمنا المعاصر.
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً