تتجه أنظار العالم في شهر مايو من عام 2026 نحو مقر الأمم المتحدة في نيويورك، حيث تنعقد الدورة الحادية عشرة لمؤتمر مراجعة معاهدة عدم الانتشار النووي (NPT)، وسط أجواء سياسية ودبلوماسية بالغة التعقيد والحساسية.
وتأتي هذه الجهود في لحظة مفصلية أعقبت انقضاء أمد معاهدة “نيو ستارت” (New START) في فبراير الماضي؛ وهي المعاهدة التي مثلت لسنوات طويلة الركيزة الأخيرة للحد من الأسلحة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا، بهدف الحفاظ على سقف لا يتجاوز 1550 رأساً نووياً لكل جانب.
وبانتهاء العمل بهذه المعاهدة دون بديل، تولد فراغ قانوني وأمني يهدد بانهيار نظام الاستقرار النووي الذي ساد لعقود، مما جعل من مؤتمر مراجعة “NPT” المنعقد حالياً المحطة الأهم لصياغة قرارات أممية جديدة تتجاوز التوصيات التقليدية لتصحيح المسار التاريخي لمنع الانتشار.
وفي قلب هذه المداولات التي تمتد حتى أواخر مايو الجاري، تسعى القوى الدولية إلى ترميم النظام العالمي وتكييفه مع التحديات التكنولوجية والجيوسياسية المتسارعة، حيث تبرز محاولات جادة لسد الثغرات القانونية عبر تجريم تسييس الطاقة النووية السلمية ومنع استخدامها كغطاء للطموحات العسكرية.
كما تركز النقاشات على فرض نماذج شفافة وإلزامية للإبلاغ عن الترسانات تحت إشراف “مبادرة حظر الانتشار ونزع السلاح”، لضمان رقابة دورية تمنع أي سباق تسلح سري. ولا تقتصر هذه التحركات على الجوانب التقليدية، بل تمتد لتشمل التهديدات الناشئة، حيث يجري العمل على تحويل القرارات الأممية الصادرة في أواخر عام 2025 بشأن “النيكسوس النووي” إلى بروتوكول تنفيذي يضمن بقاء السيطرة البشرية الكاملة على قرارات الإطلاق، ويمنع تفويضها للخوارزميات، مع فرض رقابة صارمة على تكنولوجيا “النانو” التي قد تُستخدم في تصغير الرؤوس النووية وزيادة دقة الصواريخ الفرط صوتية.
بالتوازي مع هذه المسارات التقنية، تقود دول الجنوب العالمي ومجموعة الـ 77 حراكاً دبلوماسياً يربط بين “منع الانتشار” وضرورة وجود جدول زمني ملزم لـ “نزع السلاح” بموجب المادة السادسة من المعاهدة، سعياً لملء الفجوة التي خلفها غياب الاتفاقيات الثنائية الكبرى.
كما تبرز دعوات أخلاقية وقانونية لإدراج بنود تحظر استهداف المنشآت النووية السلمية في النزاعات، واعتبار ذلك جريمة تستدعي تدخل مجلس الأمن تحت الفصل السابع. إن نجاح هذا المؤتمر في التوصل إلى وثيقة ختامية توافقية في ماي 2026 ليس مجرد إنجاز دبلوماسي، بل هو ضرورة وجودية لاستعادة شرعية معاهدة عدم الانتشار (NPT)، فالفشل في إصدار قرار توافقي بعد سنوات من التعثر قد يفتح الباب أمام فوضى نووية غير منضبطة تكنولوجياً وقانونياً تهدد السلم العالمي بأسره.
المصدر: الصحفي

