تختزل مدينة تلمسان العتيقة بين أزقتها الضاربة في عمق التاريخ معالم دينية فريدة تشهد على مكانتها العلمية والحضارية عبر القرون، ومن بين هذه المعالم يبرز مسجد “ابن محمد المرزوق الكفيف” كأحد الفضاءات الروحية التي ارتبطت بالحياة الدينية والعلمية للمدينة، ليكون شاهداً حياً على العصر الذهبي للدولة الزيانية ومكانة الفقهاء في المجتمع التلمساني.
ويعود تاريخ بناء هذا المسجد إلى الفترة الزيانية المتأخرة خلال القرن التاسع الهجري، وقد ارتبط اسمه بالعالم والفقيه التلمساني محمد بن محمد بن مرزوق الكفيف الذي ولد سنة 824 هجرية تقريباً. وبالرغم من فقدانه للبصر، إلا أنه غدا إماماً وعالماً فذاً في الفقه والحديث، لينال لقب “الكفيف” الذي التصق باسمه وبالمسجد من بعده حتى وفاته سنة 901 هجرية. وينتمي الشيخ إلى أسرة “ابن مرزوق” العلمية العريقة التي أنجبت كبار الخطباء والقضاة، وفي مقدمتهم “ابن مرزوق الحفيد”، مما منح المسجد قيمة تاريخية واجتماعية مضاعفة.
وتعكس الهندسة المعمارية للمسجد الخصائص الأصيلة للعمارة الإسلامية المحلية المتأثرة بالفن الزياني والأندلسي، حيث يبرز الاعتماد على الأقواس التقليدية المغاربية واستعمال الجير والجص المحلي في البناء. ورغم بساطة المسجد مقارنة بالمساجد الكبرى في تلمسان، إلا أن تصميمه الذي يضم فضاء صلاة يتلاءم مع أحياء المدينة العتيقة يعكس روحانية بالغة وبساطة في الزخرفة، تجعل منه نموذجاً للمعالم التي تزاوج بين الوظيفة الدينية والجمال المعماري البسيط.
ولم يقتصر دور هذا المسجد عبر التاريخ على أداء الصلوات فحسب، بل كان مدرسة للفقه المالكي وفضاءً لتدريس الحديث واللغة وتحفيظ القرآن الكريم، حيث كانت تعقد فيه المجالس العلمية والمناظرات التي ساهمت في ازدهار الحركة الفكرية بتلمسان. وتكمن الأهمية الحضارية للمسجد اليوم في كونه جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية، حيث يجسد استمرارية الهوية الإسلامية للمدينة العتيقة وارتباط معمارها بأسماء أهل العلم والورع، ليظل منارة تروي للأجيال المتعاقبة قصة مرحلة ازدهرت فيها تلمسان بالعلم والعمران.

