لو قُدّر لنا أن نعود بالزمن إلى ذلك الثلاثاء الدامي من ربيع عام 1945، لنستنطق أعمدة الصحافة العالمية وهي تطبع نسخها تحت وقع أجراس النصر في “تايمز سكوير” و”الشانزليزيه”، لصدمتنا فجاعة التناقض؛ فبينما كانت الأحبار تجف فوق عناوين “الحرية” و”الخلاص من النازية”، كانت عيون المراسلين الأجانب ترقب بذهول ولادة “فاشية جديدة” تحت شمس سطيف وقالمة وخراطة. إن استنطاق أرشيف الصحافة الدولية اليوم ليس مجرد نبش في الأوراق المنسية، بل هو استحضار لشهود عيان رأوا بأم أعينهم كيف تحول “حلفاء الأمس” إلى جلادين، وكيف صمت العالم عن ذبح 45 ألف جزائري في اللحظة التي كان يدعي فيها تحرير الإنسان.
لم تكن باريس تدرك أن صرخات الضحايا ستخترق حدودها لتصل إلى جبال الألب؛ فقد وصفت صحيفة “غازيت دي لوزان” (Gazette de Lausanne) السويسرية الأحداث حينها بـ “حمام دم” (Bain de sang) في منطقة القسنطينة. الصحافة السويسرية، ببرودها المعهود وتجردها، كشفت للعالم أن ما حدث لم يكن “اضطرابات شغب” كما ادعت الدعاية الفرنسية، بل كان “انتقاماً عسكرياً” ممنهجاً ضد شعب تجرأ على رفع شعار “الحرية” في نفس اللحظة التي كان فيها العالم يحتفل باستعادتها.
وفي الوقت الذي كانت فيه إذاعة “بي بي سي” تبث أخبار الاستسلام الألماني، كانت “مانشستر غارديان” البريطانية ترصد بحذر يشوبه الذهول استخدام فرنسا للطيران والمدفعية الثقيلة ضد قرى جبلية. وبنفس النبرة، تناولت “نيويورك تايمز” الأمريكية ما أسمته بـ “الانتفاضة الدامية”، مشيرة إلى التناقض الصارخ في “المبادئ الأطلسية”؛ فكيف لفرنسا التي تحررت للتو من نير الاحتلال الألماني أن تمارس احتلالاً أكثر وحشية ضد شعب طالب بالوفاء بالوعود؟ لقد كانت التقارير الغربية، رغم دبلوماسيتها، تفضح حقيقة أن الطائرات التي منحتها أمريكا لفرنسا لمحاربة هتلر، كانت تُستخدم لحرق القرى في الجزائر.
إن العودة إلى أرشيف الصحافة العالمية في “يوم الذاكرة” (2026)، ليست مجرد نبش في الماضي، بل هي “محاكمة مؤجلة” تؤكد أن قضية الجزائر لم تكن يوماً “شأناً داخلياً” كما زعم المستعمر. إن شهادات “الآخر” تثبت أن العالم كان شاهداً على جريمة ضد الإنسانية مكتملة الأركان، لكن “مصالح الكبار” فرضت الصمت آنذاك. اليوم، حين تستحضر منصة “الصحافي” هذه الشهادات الدولية، فإنها تعيد صياغة الحقيقة بلغة أولئك الذين ادعوا يوماً أنهم “حماة الحرية”، بينما كانت بوارجهم الحربية (مثل الدوغاي تروان) تقصف السواحل الجزائرية في عز احتفالات النصر.
الرسالة الجزائرية اليوم، وهي تستند إلى هذا الزخم التاريخي الموثق عالمياً، واضحة لباريس: “الذاكرة لا تسقط بالتقادم، والحقيقة التي كتبت في نيويورك ولوزان قبل ثمانين عاماً، لا تزال هي الدليل الدامغ الذي ينتظر الاعتراف والاعتذار”.

