على غير العادة، وفي مفارقة لافتة، شهد معرض “باريس الدولي” (Foire de Paris 2026) 30 أفريل إلى 11 ماي 2026 معركة ذات بعد اقتصادي وثقافي تجاوزت الأطر التقليدية، حيث تحول الجناح الجزائري في “بورت دو فرساي” إلى منصة استراتيجية أبرزت الوجه الحديث للبلاد عبر مشاركة قياسية لـ 120 مؤسسة ناشئة، بزيادة قدرها 40% عن النسخة السابقة. وقد نجحت الجزائر في فرض منطق الندّية الاقتصادية، وهو ما تُرجم عملياً في استقطاب اهتمام المستثمرين الأوروبيين بقطاعات التكنولوجيا المالية والطاقة، لا سيما مع عرض فرص استثمارية في قطاع الهيدروجين الأخضر الذي تطمح الجزائر من خلاله لتأمين 10% من احتياجات السوق الأوروبية بحلول عام 2030.
ولم يكن هذا الاختراق التجاري بمنأى عن التحديات التي حاولت استهداف سمعة المنتج الوطني، إلا أن الرد الجزائري جاء حاسماً بلغة الأرقام التي لا تقبل التأويل؛ حيث فرض قطاع الصناعات الغذائية والتحويلية هيمنته على المشهد باستحواذه على 60% من المساحة الإجمالية للجناح. وفي الوقت الذي كانت فيه التمور الفاخرة وزيت الزيتون تفرض مكانتها السوقية كعلامات تنافسية، كانت تقنيات الواقع المعزز وجلسات العمل الثنائية (B2B) تعمل كقوة دفع دبلوماسية، أثمرت في زمن قياسي عن توقيع مذكرات تفاهم أولية تجاوزت قيمتها 45 مليون يورو خلال الـ 48 ساعة الأولى فقط من عمر المعرض، محولةً التحديات إلى صفقات استراتيجية عابرة للحدود.
وفي تحول ديموغرافي يعكس تغير موازين القوى، هيمن الجيل الجديد من المبتكرين ورجال الأعمال، لا سيما الشباب تحت سن الـ 35 الذين شكلوا 55% من قوام الوفد العارض، على المشهد العام. هذا الجيل البراغماتي نجح في نقل المعرض من ساحة لتصفية الحسابات التاريخية إلى فضاء لتوقيع العقود، مستنداً إلى ديناميكية اقتصادية رفعت حجم التبادل التجاري البيني في القطاعات غير النفطية. إن هذا التحول الاستراتيجي أثبت أن المصالح المتقاطعة هي اللغة الوحيدة القادرة على إسكات ضجيج الأزمات الهوياتية، وتحويل “الذاكرة الجريحة” إلى “فرص استثمارية” ملموسة.
لقد استطاعت الجزائر في نسخة 2026 رسم ملامح مستقبلية لعلاقاتها الخارجية، تعتمد على المقاربة النفعية التي تضع الاقتصاد في خدمة السيادة. وبينما كانت لجان المؤرخين تعمل في صمت، كانت قاعات المعرض تضج بحديث الشراكات في قطاع المناجم، خاصة مع عرض آفاق مشروع “غار جبيلات” العملاق الذي يتوقع أن يرفع إنتاج الحديد إلى مستويات تنافسية عالمية. هذا الانتقال نحو الرقمنة والابتكار لم يكن خياراً تقنياً فحسب، بل سلاحاً ديبلوماسياً كرس علامة “صنع في الجزائر” كلاعب أساسي لا يمكن تجاهله في الساحة الاقتصادية الدولية، مدعوماً بمؤشرات نمو حقيقية خارج قطاع المحروقات.

