تُعد سعدية باضيف، المعروفة في الأوساط الفنية بـ “الشيخة الريميتي”، ظاهرة فنية متفردة اختزلت في مسيرتها قرناً من الزمان، لتتحول إلى رمز بصري وثقافي يمثل وحده تراثاً لامادياً جزائرياً حياً. لم تكن هذه المرأة مجرد صوت يؤدي ألحان الراي الأصيل، بل كانت رائدة الترويج للموروث الثقافي الجزائري فوق خشبات كبرى المسارح العالمية؛ حيث فرضت بذكاء وشموخ الحضور الجزائري في المحافل الدولية، متمسكة بهويتها التي لم تزدها الغربة إلا تجذراً وأصالة.
وُلدت هذه القامة الفنية سعدية باضيف في 8 ماي 1923 ببلدية تسالة في ولاية سيدي بلعباس، وعاشت طفولة قاسية كافحت فيها مرارة الاستعمار الفرنسي، وهو ما صقل شخصيتها الفنية الجريئة.
بدأت رحلتها مع “المداحات” وفرق الفن التقليدي عام 1938، حيث استلهمت كلمات أغانيها من الواقع الاستيطاني المرير وتحديات الاستعمار. وبالرغم من الصعاب، استطاعت أن تكون “مؤرخة شعبية” وثقت بصوتها الجهوري معارك الشرف ضد المستعمر الفرنسي، لعل أبرزها تخليدها لمعركة “الشولي” التاريخية، حيث تحولت قصائدها إلى سجل نضالي يروي تفاصيل المقاومة في الجبال، لتمزج بذلك بين الفن والوجدان الشعبي الثائر في مئات الألبومات التي سجلت رقماً قياسياً في غزارة الإنتاج وتأثيرها العابر للأجيال.
تُوصَف الريميتي بأنها المرأة “الشجاعة” في وجه المستعمر الفرنسي، والتي لم تخشَ يوماً تطويع الكلمة لخدمة القضية؛ حيث تُعد أغانيها الثورية والاجتماعية دروساً بليغة في السوسيولوجيا الشعبية.
فقد كانت السبّاقة لتعرية الخيانة وتحفيز الهمم حين غنت “الرقبة يروح يجاهد والهانة يبيع خوه”، كما كانت لسان حال المقهورين حين صرخت “يا جيش البحرية وكلاني الحوت”، لتنقل ببراعة معاناة المرأة الجزائرية وتجسد صمودها الأسطوري في وجه القهر الاستعماري. وعند رحيلها، تركت خلفها مدرسة فنية قائمة بذاتها، تبرهن على أن الفن الشعبي الجزائري قادر على اختراق الحدود والعالمية، شريطة التمسك بالجذور والهوية التي مثلتها “سيدة الراي” بأمانة واقتدار.

وبعد الاستقلال، كرّست الريميتي حضورها كظاهرة فنية فريدة؛ إذ استطاعت ببساطتها المعهودة أن تلعب دور ‘الرائدة’ التي مهدت الطريق للفن الجزائري نحو العالمية، بوصفها ‘متحفاً متنقلاً’ للهوية الوطنية.
فلم تكتفِ بنقل الكلمة واللحن فحسب، بل كانت سفيرة بصرية للموروث الجزائري فوق كبرى المسارح الدولية، حيث حرصت في كافة إطلالاتها على ارتداء ‘البلوزة’ الجزائرية الأصيلة وتزيين يديها بـ ‘الحنة’ التقليدية، لتطل بهما بفخر عند كل اعتلاء للركح، مروجةً بذكاء للهوية الوطنية أمام الجمهور الدولي. إن هذا التمسك الصارم بالزي والزينة لم يكن مجرد خيار جمالي عابر، بل كان إعلاناً سيادياً عن الانتماء، مما حول صورتها إلى أيقونة للأناقة الجزائرية التي تمزج بين الشموخ والأصالة، وتقدم للعالم درساً حياً في صمود الشخصية الجزائرية واعتزازها بجذورها.
سجلت الشيخة الريميتي إرثاً غنياً ومتعدد الأشكال، حيث يضم رصيدها أكثر من 400 ألبوم كاسيت، و300 ديسك (45 لفة)، و55 ديسك (78 لفة)، دون حساب الأقراص المضغوطة، ما جعلها “الذاكرة الشعبية العابرة للأجيال” ومصدر إلهام دائم للموسيقيين الباحثين عن الأصالة والابتكار. وبالرغم من وفاتها في 15 ماي 2006 بباريس بعد رحلة دامت قرابة السبعين عاماً، إلا أنها ظلت رمزاً للمرأة الجزائرية المبدعة التي ساهمت في تطوير وترويج فن الراي.
وأمام هذا الثقل التاريخي، تبرز اليوم دعوة ملحة موجهة إلى السلطات الجزائرية من أجل إطلاق “مؤسسة الريميتي”. إن إنشاء مؤسسة رسمية تحمل اسم هذه الأيقونة سيعمل على حماية أرشيفها الغنائي النادر من السطو أو الضياع، ويجعل من إرثها مرجعاً للأبحاث الثقافية، وضماناً لانتقال شعلة الهوية الجزائرية التي مثلتها “سيدة الراي” كأكثر من مجرد فنانة، بل كـ “الجزائر في امرأة” صموداً وأصالةً وتمسكاً بالجذور.

