انتقدت الدكتورة مونيكا حنا، أستاذ مساعد الآثار والتراث الحضاري وعميد كلية الآثار بالأكاديمية العربية للعلوم، “الاستثناءات” التي تفرضها التشريعات الفرنسية الجديدة بشأن استعادة الآثار، مؤكدة أن الحق المصري في استعادة تراثه المنهوب لا يقبل التجزئة أو المفاضلة السياسية.
وفي تصريحات خصت بها قناة “التلفزيون العربي”، أوضحت حنا أن إقرار البرلمان الفرنسي مؤخراً لقانون “إطاري” يسهل استعادة القطع الفنية المنهوبة إبان الحقبة الاستعمارية (بين عامي 1815 و1972)، يبدو في ظاهره خطوة للأمام، لكنه يحمل في طياته محاولات للالتفاف على الملف المصري. وأشارت إلى أن تركيز القانون على دول “جنوب الصحراء الكبرى” يضع العراقيل أمام استعادة الآثار المصرية التي خرجت في سياقات استعمارية مماثلة.
وكشفت الخبيرة الأثرية عن معطيات وصفتها بالخطيرة، حيث تمتلك المتاحف والمؤسسات الفرنسية آلاف القطع الأثرية والمخطوطات والبرديات النادرة التي تم الاستيلاء عليها، ليس فقط خلال الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801)، بل عبر عقود من الهيمنة الثقافية. وقالت حنا: “فرنسا حصلت على كنوز لا تقدر بثمن تحت وطأة ضغوط سياسية غير عادلة، واليوم لا يوجد أي مبرر أخلاقي لاستمرار بقاء هذه القطع خلف البحار تحت مسمى عالمية المتاحف”.
وشددت الدكتورة مونيكا على أن القضية تتجاوز مجرد “استعادة أحجار”، بل هي معركة لإنهاء ما وصفته بـ “الاستعمار المعرفي”، حيث ترى أن بقاء الآثار المصرية في “اللوفر” وغيره من المتاحف الفرنسية يكرس لسردية غربية تحاول احتكار التاريخ المصري وتفسيره من وجهة نظر واحدة.
ودعت حنا الجهات الرسمية المصرية إلى تكثيف الضغط الدبلوماسي والقانوني، مستندة إلى إعداد ملفات توثيقية تثبت خروج هذه القطع والمخطوطات بطرق غير مشروعة، مؤكدة أن الزخم الشعبي والأكاديمي العالمي الآن يصب في مصلحة دول المنشأ لاسترداد هويتها المسلوبة.
“قانون الإطار” الفرنسي: خطوة للأمام أم “تحصين” لآثار الحملة الفرنسية؟
و أحدث تصديق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في التاسع من ماي الجاري على “قانون الإطار” لرد الآثار المنهوبة حالة من الانقسام الحاد في الأوساط الثقافية الدولية، فبينما احتفت به عدة دول إفريقية كبادرة حسن نية، اعتبره خبراء الآثار المصريون مناورة قانونية مدروسة تهدف في جوهرها إلى شرعنة حيازة فرنسا لأهم الكنوز المصرية وتحصينها ضد أي مطالبات مستقبلية بالاسترداد.
تكمن نقطة الخلاف الجوهرية في النطاق الزمني الصارم الذي حدده القانون بين عامي ألف وثمانمئة وخمسة عشر وألف وتسعمئة واثنان وسبعين، وهو تحديد لم يكن عشوائياً بأي حال، إذ يستثني رسمياً فترة الحملة الفرنسية على مصر التي بدأت عام ألف وسبعمئة وثمانية وتسعين. ويحرم هذا الاستثناء الدولة المصرية من الحق في المطالبة بآلاف المخطوطات والقطع الفريدة التي خرجت في تلك الحقبة، وعلى رأسها “زودياك دندرة” أو خريطة الأبراج السماوية، التي انتُزعت من معبد دندرة عام ألف وثمانمئة وواحد وعشرين لكنها تُنسب لسياق اكتشافات ما قبل التاريخ المحدد في القانون، مما يجعل استعادتها شبه مستحيلة وفق النص التشريعي الجديد.
علاوة على ذلك، يفرض القانون معضلة معقدة تتعلق بشروط الإثبات، حيث يشترط تقديم مؤشرات قوية ومتسقة على وقوع النهب الاستعماري، وهنا تبرز ثغرة الهدايا السياسية التي تتمسك بها فرنسا. ففي حين تعتبر باريس قطعاً مثل مسلة الأقصر الموجودة في ساحة الكونكورد هدايا رسمية من محمد علي باشا، يجادل الأثريون بأن هذه التنازلات قُدمت تحت وطأة الابتزاز السياسي والضغوط الدبلوماسية وليست بدافع الرغبة الثقافية، وهو منطق لا يعترف به القانون الفرنسي الجديد كسبب كافٍ للاسترداد.
وتأتي المادة الرابعة من القانون لتشكل ما يشبه القلعة الأخيرة لحماية المقتنيات الفرنسية، حيث منحت المتاحف الكبرى مثل اللوفر حق النقض تحت ذريعة التراث العالمي، وهو بند يمنح الجانب الفرنسي سلطة تقديرية واسعة لرفض إعادة أي قطعة أيقونية بذريعة أنها ملك للبشرية جمعاء وأن المتاحف الفرنسية هي الأقدر على حفظها. وبناءً على ذلك، يبدو أن هذا التشريع صُمم لامتصاص الضغوط الدولية مع وضع حواجز قانونية متينة تحمي الأصول المصرية الكبرى، مما يفسر حدة انتقادات الأكاديميين الذين رأوا فيه تحصيناً للإرث الاستعماري أكثر من كونه رغبة حقيقية في تصحيح أخطاء الماضي التاريخية.

