من هرمز إلى تايوان وصولا لجبل طارق… “تأثير الدومينو” والعودة إلى منطق الإقطاعيات البحرية

شهد العالم اليوم تحولاً جذرياً في مفهوم “حرية الملاحة”، فما كان يُعتبر قوانين دولية راسخة لحماية الممرات المائية، بات اليوم عرضة للتفكك أمام مطالبات سيادية متصاعدة. وتبدو إيران اليوم هي حجر الدومينو الأول الذي، بسقوطه أو تحركه، قد يقلب الطاولة على رؤوس القوى التقليدية في مضيقي تايوان وجبل طارق.

تجاوزت إيران في أزمتها الحالية مرحلة التهديد بالإغلاق، لتنتقل إلى مرحلة “الإدارة السيادية الانتقائية”. فمن خلال فرض بروتوكولات خاصة للسماح للسفن الصينية بالمرور مقابل تضييق الخناق على غيرها، وضعت طهران العالم أمام واقع جديد: المضائق ليست ممرات دولية، بل هي أراضٍ وطنية تخضع لمزاج العاصمة السياسية. هذا النجاح الإيراني في فرض “منطق القوة” قدّم النموذج المثالي للدول الأخرى التي تمتلك حقوقاً تاريخية معطلة أو ممرات متنازعاً عليها.

بالانتقال شرقاً، تجد الصين في المسلك الإيراني تبريراً استراتيجياً لتشديد قبضتها على مضيق تايوان. فإذا كانت إيران تمتلك الحق في تنظيم الملاحة في هرمز بناءً على أمنها القومي، فإن بكين ترى في مضيق تايوان مياهاً داخلية صرفة. إن المطالبة الصينية بالسيادة المطلقة هناك لم تعد تقتصر على التصريحات السياسية، بل بدأت تأخذ طابعاً إجرائياً يحاكي “البروتوكولات الإيرانية”، مما يضع الولايات المتحدة وحلفاءها أمام خيارين أحلاهما مر: إما القبول بشروط بكين أو الدخول في مواجهة بحرية شاملة لتثبيت مفهوم حرية الملاحة الذي بدأ يتآكل.

تصل عدوى المطالبة بالسيادة إلى الضفة الغربية للمتوسط، وتحديداً إلى إسبانيا. وهنا تبرز مفارقة جيوسياسية حادة؛ فإسبانيا التي تسيطر على سبتة ومليلية وتواجه تشكيكاً أمريكياً وبريطانياً في أحقيتها بهما، تجد في أزمة هرمز فرصة لإعادة فتح ملف “جبل طارق”.

إن منطق “الأحقية التاريخية” الذي ترفعه إيران اليوم، يغري مدريد للمطالبة بإنهاء السيطرة البريطانية على “الصخرة” التي تقع جغرافياً في قلب سواحلها. ويشير المحللون إلى أن أي ضعف يظهره التحالف الأنجلو-أمريكي في تأمين مضيق هرمز سيؤدي فوراً إلى تزايد الأصوات في إسبانيا للمطالبة بالسيادة على جبل طارق، معتبرين أن عهد القواعد العسكرية الأجنبية في المضائق الاستراتيجية قد ولى. لكن هذه المغامرة الإسبانية محفوفة بالمخاطر، كونها قد تحرك ورقة سبتة ومليلية في المقابل، مما يجعل المنطقة بأكملها على فوهة بركان سيادي.

إن هذا الرابط الممتد من طهران إلى مدريد يكشف عن حقيقة مرة: النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية يلفظ أنفاسه الأخيرة في البحار. فالمطالبة بالسيادة على المضائق لم تعد مجرد قضايا قانونية، بل أصبحت أدوات للمساومة الجيوسياسية الكبرى.

إذا قُبلت مطالب إيران في هرمز، فلن يكون هناك مبرر قانوني لمنع الصين في تايوان أو إسبانيا في جبل طارق من ممارسة حقوق مماثلة. نحن نتجه نحو عالم من “الإقطاعيات البحرية” حيث تفرض الدول المطلة على الممرات شروطها الخاصة، مما قد يؤدي إلى نهاية عصر العولمة التجارية وبدء عصر “المقايضة السيادية” على عبور شحنات الطاقة والبضائع.

الجزائر – “الصحفي”

 

قلم يتنقل بين ميادين السياسة، الاقتصاد، بحسّ مرهف وعين فاحصة، ساعياً دوماً لفهم عميق وشامل لقضايا الساعة. يمزج بين الدقة في التحليل والقدرة على تحفيز التفكير النقدي، حيث يقدم للقارئ رؤية موضوعية بعيدًا عن التبسيط، ويسعى لإثراء الحوار وتعميق الفهم حول القضايا الأكثر تعقيدًا في عالمنا المعاصر.
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً