لم تعد الحروب الانتخابية تُخاض في الميادين التقليدية وحدها، بل انتقلت إلى غرف مظلمة تُدار عبر أنظمة ذكاء اصطناعي وجيوش إلكترونية عابرة للحدود. وفي فرنسا، أثار الكشف عن تورط شركة إسرائيلية سرية في استهداف المسار الديمقراطي صدمة في الأوساط السياسية، معيدةً فتح ملف “السيادة الرقمية” ومخاطر التدخل الأجنبي.
كشف التحقيق الاستقصائي الذي قاده ائتلاف “قصص محظورة” (Forbidden Stories) عن وجود كيان إسرائيلي يُدعى “Team Jorge”، يديره “طلال حنان” وهو عضو سابق في الاستخبارات الإسرائيلية. هذا الفريق ليس شركة علاقات عامة عادية، بل هو وحدة لـ “تخريب الديمقراطيات” استخدمت نظاماً تقنياً متطوراً يُسمى (AIMS) لإدارة آلاف الحسابات الوهمية شديدة الواقعية على منصات التواصل الاجتماعي.
أظهرت الوثائق المسربة والمقاطع المصورة من داخل مقر الشركة أن فرنسا كانت أحد أهدافها الرئيسية. وقد تركزت الهجمات بشكل خاص على حزب “فرنسا الأبية” (LFI) وقياداته، حيث تم ضخ آلاف المنشورات المضللة والوسومات (Hashtags) السلبية لضرب سمعة الحزب في توقيتات انتخابية حساسة.
الهدف لم يكن مجرد التشويه، بل “صناعة واقع افتراضي” يوهم الناخب الفرنسي بوجود معارضة شعبية جارفة لسياسات معينة، مما يؤثر على قراره النهائي خلف صندوق الاقتراع.
و لم يتوقف التدخل عند حدود “تويتر” أو “فيسبوك”، بل شمل أساليب أكثر خطورة:
- قرصنة الحسابات: ادعى “طلال حنان” قدرة فريقه على اختراق حسابات بريد إلكتروني وتطبيقات “تلغرام” لمسؤولين سياسيين رفيعي المستوى لتسريب معلومات محرجة.
- التسلل إلى القنوات الإخبارية: كشف التحقيق عن نجاح الفريق في تمرير “تقارير مموهة” إلى قنوات إخبارية فرنسية كبرى (مثل قضية المذيع رشيد مباركي في BFMTV)، حيث تم بث أخبار تخدم مصالح جهات أجنبية دون الكشف عن مصدرها.
و رغم كشف الأداة (الشركة الإسرائيلية)، يظل السؤال الأهم في باريس: من الذي دفع الثمن؟ ترفض شركة “تيم خورخي” الكشف عن هوية زبائنها، لكن أصابع الاتهام في فرنسا تتجه نحو قوى إقليمية ومنافسين سياسيين استفادوا من إضعاف الجناح اليساري المتمثل في حزب ميلونشون، أو السعي لتوجيه السياسة الخارجية الفرنسية في ملفات الشرق الأوسط.
وقد وصف قادة حزب “فرنسا الأبية” هذه العمليات بأنها “اعتداء على السيادة الوطنية”، مطالبين بفتح تحقيق برلماني موسع حول حجم التغلغل الإسرائيلي في الفضاء الرقمي الفرنسي. ويرى خبراء أن هذه القضية أثبتت أن الانتخابات لم تعد محصنة ضد “مرتزقة التضليل” الذين يبيعون القدرة على التلاعب بالعقول لمن يدفع أكثر.
المصدر: تحقيق “Forbidden Stories”، صحيفة “لوموند” الفرنسية، راديو فرنسا الدولي (RFI).

