السينما تدخل عالم “مهن الغد” في الجزائر

وسط حديث رسمي عن الذكاء الاصطناعي، الطب الدقيق، والمدن الذكية، ظهرت كلمة بدت للكثيرين مفاجئة داخل قائمة “مهن الغد” التي تعمل عليها وزارة التعليم العالي في الجزائر: “السينما والمقاولاتية”.

قد تبدو العبارة عادية في دول تعتبر الصناعات الثقافية جزءًا من اقتصادها الوطني، لكنها في الجزائر تحمل دلالة أعمق، فالسينما، التي عاشت لسنوات طويلة بين التهميش والتمويل المناسباتي، تدخل اليوم للمرة الأولى تقريبًا إلى قاموس “الكفاءات” و”سوق العمل” و”المشاريع الناشئة”.

مشروع “مهن الغد” الذي تحدثت عنه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، أو ما يسمى بـ”الإطار الوطني للمؤهلات و الشهادات”في الجزائر هو إطار مرجعي لتصنيف الشهادات الجامعية و هيكلتها وفقا لمنطق الكفاءات والمستويات مع ضمان قابليتها على المستوى الوطني و الدولي، ومن بين الأهداف التي يرمي إليها الإطار هو تحقيق التوافق الحقيقي بين نظام التكوين و نظام التوظيف بالتعاون مع وزارة العمل من خلال المدونة الجزائرية للمهن و الوظائف،

و للاشرة فقد تم تحديد قائمة “مهن الغد” والتي هي كالتالي: الذكاء الإصطناعي الطبي، الفيزياء الكمية، والميكانيك الكمية، المعلوماتية الحاوية الطبية، علم الإدمان الطب الدقيق، بالتنسيق مع وزارة الصحة، المدن الذكية، مستشار في علم الوراثة، أخصائي الأسنان، السينما والمقاولاتية، وغيرها من التخصصات المتطورة ستشكل القاعدة الأساسية لتخريج طلبة لديه تخصص متطور مع توجه مقاولاتي.

و لا يكتفي هذا الإطار الوطني للمؤهلات والشهادات، بإعادة تصنيف التخصصات الجامعية، بل يحاول خلق توافق بين التكوين الجامعي واحتياجات سوق الشغل. وبين تخصصات علمية متطورة، اختارت الوزارة أيضًا الرهان على الثقافة، لكن هذه المرة بلغة الاقتصاد والمقاولاتية، أما الملاحظ من هذا المشروع،  فيبدو أن هناك محاولة فعلية للانتقال من منطق “تخريج حاملي شهادات” إلى منطق “تخريج أصحاب كفاءات ومشاريع”

و  لا يقتصر هذا التحول الذي تحاول الجامعة الجزائرية التأسيس له من خلال مشروع الإطار الوطني للمؤهلات والشهادات فقط على تحديث البرامج الجامعية، بل يكشف أيضًا عن تغيير تدريجي في طريقة النظر إلى سوق العمل، وإلى معنى التكوين نفسه،  لأن الأزمة الحقيقية للسينما الجزائرية لم تكن في غياب المواهب، بل في غياب الصناعة. فعدد كبير من الشباب المهتمين بالسمعي البصري كانوا يصطدمون دائمًا بسؤال واحد: ماذا بعد الشهادة؟

ورغم أهمية الخطوة، يبقى نجاحها مرتبطًا بمدى قدرتها على مغادرة الورق. فالسينما لا تُبنى بالعناوين وحدها، بل بالاستوديوهات، التكوين الميداني، الشراكات، وخلق سوق ثقافية حقيقية تسمح للفنان بأن يعيش من فنه لا أن يهرب منه.

ومع ذلك، يبقى إدراج “السينما” ضمن “مهن الغد” واحدًا من أكثر المؤشرات إثارة للاهتمام داخل الجامعة الجزائرية مؤخرًا، لأنه يكشف أن الثقافة بدأت أخيرًا تُعامل كقوة إنتاج، لا كديكور موسمي.

تابع
في رحاب صناعة المحتوى الإعلامي يقود فاتح لشهب، مدير تحرير موقع “الصحفي”، مسيرة العمل برؤية معاصرة؛ فهو يمزج بين الدقة العلمية في البحث وعمق التحليل، ليطرح رؤى متوازنة تتجاوز التبسيط، ويغني النقاش بمضامين تحفّز القارئ على التأمّل والتدقيق في أكثر قضايا عصرنا تعقيدًا.
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً