في الذكرى الأولى لرحيل المخرج العالمي محمد لخضر حمينة.. صانع ذاكرة الأمة ورافع السعفة الذهبية الجزائرية

تحلّ اليوم الذكرى الأولى لرحيل المخرج العالمي محمد لخضر حمينة، صانع ذاكرة الأمة ورافع السعفة الذهبية الجزائرية، ذلك المبدع الاستثنائي الذي لم يكن مجرد سينمائي حمل كاميرا ووقف خلف ممثلين، إنما كان رجلاً عبر الحرب، والفقد، والمنفى، والسجون، ليصنع بأعماله هُوية بصرية كاملة لشعب عاش العنف والحلم في الوقت نفسه.

وفي هذه المناسبة، نستذكر قامة فنية شامخة أشبه بجبل منفرد في تاريخ الفن السابع، نجح في نقل الآلام المكبوتة والوجوه المتعبة من أزقة الجزائر وقراها المنسية إلى كبرى المنصات الدولية، متوجاً بلاده بأرفع جائزة في مهرجان “كان” السينمائي، ليبقى اسمة خالداً كوثيقة روحية وثقافية تروي قصة إنسانية الجزائري وهو يسير بثبات نحو الحرية.

لم يكن محمد لخضر حمينة مجرد مخرج سينمائي حمل كاميرا ووقف خلف ممثلين، إنما كان رجلًا عبر الحرب والفقد والمنفى والسجون، ثم عاد ليحوّل الذاكرة الجزائرية إلى صور خالدة.

هناك مخرجون يصنعون أفلامًا، وهناك من يصنعون ذاكرة أمة كاملة، وحمينة كان من الصنف الثاني،  في السينما الجزائرية، يبدو اسمه أشبه بجبل منفرد، ليس فقط لأنه منح الجزائر أول وأشهر “سعفة ذهبية” في تاريخها عن فيلم “وقائع سنين الجمر” خلال مهرجان كان السينمائي سنة 1975، بل لأنه فعل ذلك وهو يحمل في داخله جراح المجاهد، لا الذي دخل إلى السينما من باب الثورة.

كان يرى الكاميرا مثل بندقية تطلق أسئلة مؤلمة عن الاستعمار، الإنسان، والحرية، لهذا بدت أفلامه ثقيلة بالتاريخ، لكنها نابضة بالشعر أيضًا، لم يكن يصوّر الجزائر كبلد فقط، إنما ككائن متعب يحاول أن يولد من جديد.

في أعماله، لا يظهر البطل التقليدي كثيرًا، لأن البطولة عنده كانت جماعية؛ الفلاح، الأم، الطفل، المقاوم، القرية المنسية، وحتى الصمت. كان يؤمن أن السينما ليست ترفًا بصريًا، وربما لهذا السبب تبدو أفلامه اليوم أكبر من مجرد أعمال فنية؛ إنها وثائق روحية عن شعب عاش العنف والحلم في الوقت نفسه.

عندما يشاهد المتلقي  “ريح الأوراس 1967″ أو” حسان طيرو 1968″ أو “ديسمبر 1973” تشعر أن الرجل كان يستخرج الألم من ذاكرة الجزائريين ثم يعيده إليهم على شكل صور لا تُنس،  وربما تكمن عبقريته الحقيقية في أنه لم يحاول يومًا تقليد السينما الغربية رغم وصوله إلى العالمية، لأنه كان يؤمن أن الجزائر تملك لغتها البصرية الخاصة، وأن الغبار، والوجوه المتعبة و الأزقة والبسطاء، يمكن أن يكونوا مادة سينمائية أعظم من المدن اللامعة والاستوديوهات الضخمة.

السعفة التي جعلت الجزائر تقف في قلب العالم

عندما اعتلى محمد لخضر حمينة منصة مهرجان كان السينمائي سنة 1975 ليتسلّم “السعفة الذهبية” عن فيلم وقائع سنين الجمر، كان ذلك تتويجا سينمائيا مصقولا بلحظة تاريخية وضعت الجزائر الخارجة حديثًا من آثار الاستعمار والحرب، في قلب السينما العالمية، تلك المرة الأولى — وما تزال الوحيدة — التي تحصد فيها الجزائر أرفع جائزة في أكبر مهرجان سينمائي بالعالم، وهو إنجاز جعل اسم حمينة يتحول إلى رمز ثقافي يتجاوز حدود الإخرا،  لكن قيمة التتويج لم تكن في الجائزة وحدها، بل في طبيعة الفيلم نفسه؛ عمل جزائري خالص، يتحدث بلسان الفلاحين والبسطاء والمقهورين، بعيدًا عن القوالب الغربية المعتادة. لقد بدا الأمر وكأن العالم، عبر تلك السعفة، يعترف أخيرًا بأن شعوب الجنوب قادرة أيضًا على صناعة سينما عظيمة، لا تقل عمقًا وشاعرية عن السينما الأوروبية، ولهذا بقيت تلك اللحظة محفورة في الذاكرة الجزائرية كأحد أبرز الانتصارات الثقافية بعد الاستقلال. “

ملحمة “وقائع سنين الجمر” كانت رحلة طويلة داخل الألم الجزائري قبل الانفجار الكبير، لم يقدّم حمينة الثورة كبطولة جاهزة أو شعارات سياسية، بل كحالة إنسانية ولدت من الجوع، الظلم، التصحر، والإهانة اليومية التي عاشها الشعب تحت الاستعمار.

الفيلم، ببنيته الملحمية وصوره القاسية والشاعرية في آن واحد، بدا أقرب إلى قصيدة بصرية عن شعب يُدفع ببطء نحو التمرد، كان الفلاح، القرية، الغبار، والوجوه المتعبة، هم الأبطال الحقيقيون للعمل. وحتى مشاهد الصمت في الفيلم كانت تقول أكثر مما تقوله الحوارات. تميّز حمينة في هذا العمل بقدرته على الجمع بين البعد السياسي والبعد الإنساني دون أن يفقد الفيلم روحه الفنية. لذلك لم ينجح “وقائع سنين الجمر” لأنه تناول الثورة فقط، بل لأنه جعل العالم يشعر بإنسانية الجزائري وهو يسير نحو الحرية. وبعد مرور عقود، ما يزال الفيلم يُنظر إليه باعتباره أحد أهم الأعمال السينمائية التي تناولت الاستعمار والتحرر في تاريخ السينما العالمية.

تابع
في رحاب صناعة المحتوى الإعلامي يقود فاتح لشهب، مدير تحرير موقع “الصحفي”، مسيرة العمل برؤية معاصرة؛ فهو يمزج بين الدقة العلمية في البحث وعمق التحليل، ليطرح رؤى متوازنة تتجاوز التبسيط، ويغني النقاش بمضامين تحفّز القارئ على التأمّل والتدقيق في أكثر قضايا عصرنا تعقيدًا.
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً